للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لأنه ازداد معرفة نافعة ومؤثرة {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: ٢].

ويُقارن بديع الزمان النورسي بين المعرفة التي يُقدمها القرآن والمعرفة التي يُقدمها علم الكلام فيقول:

حقًّا، إن معرفة الله المستنبطة من علم الكلام ليست هي المعرفة الكاملة، ولا تورث الاطمئنان القلبي.

في حين أن تلك المعرفة متى ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجز، تُصبح معرفة تامة، وتُسكب الاطمئنان الكامل في القلب.

إن المعرفة المُستقاة من القرآن الكريم تمنح الحضور القلبي الدائم مع الله.

ويضرب النورسي مثالًا للفرق بين الأمرين:

لأجل الحصول على الماء، هناك من يأتي به بواسطة أنابيب من مكان بعيد يُحفر في أسفل الجبال، وآخرون يجدون الماء أينما حفروا، ويُفجِّرونه أينما كانوا.

فالأول سير في طريق وَعر وطويل، والماء مُعرَّض فيه للانقطاع والشُّحة، بينما الذين هم أهل لحفر الآبار فإنهم يجدون الماء أينما حلُّو دونما صعوبة ومتاعب.

إن كل آية من آيات القرآن الكريم كعصا موسى تُفجِّر الماء أينما ضربت .. (١).

ويقول: لا حاجة إلى الاستضاءة بنور الشموع مادامت هناك شمس ساطعة (٢).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

إن اللذة والفرحة والسرور، وطيب الوقت، والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه، إنما هو في معرفة الله عز وجل، وتوحيده، والإيمان به، وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية (٣)، وكيف لا (والقرآن يُثير العواطف، ويوقظ العقول في وقت واحد، وبعد الاقتناع يطمئن العقل ويهدأ الإحساس، ويشعر الإنسان بنشوة الفرح والارتياح) (٤).

[القرآن يستثير جميع المشاعر]

الذي يُقبل على القرآن إقبالًا صحيحًا فيتدبر معانيه ويتأثر بها يجد أنه يُخاطب جميع مشاعره، فتارة يستثير فيه مشاعر الخوف والرهبة، وتارة الفرح والاستبشار، وتارة الرضا والتفويض، وتارة السكينة والطمأنينة، وتارة الحب والشوق إلى الله عز وجل.

يقول ابن القيم:

لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله (٥).

(يشعر القارئ (المتدبر للقرآن) أنه يعيش حياة نابضة في في عالم آخر غير الذي يعيش، يُدرك أن روحًا تسري فيه.

يحس من يقرأ في القرآن متنقلًا بين آياته وسوره أنه يعيش في قرية صغيرة، يجمعها مكان واحد، هي هذه المعمورة رغم اتساعها، ويكتنفها زمان واحد من لدن آدم حتى قيام الساعة .. نصوص مفتوحة أمامها الطريق، لا يحُدُّها زمان، ولا يُقيدها مكان، تلقي تعاليمها لهذا الإنسان الذي لا تتغير مشاعره وجوانبه النفسية وميوله على اختلاف الزمان.

هكذا يجد كل إنسان فيه بُغيته .. يُقبل عليه المهموم ليجد فيه بلسمه، ويُقبل عليه المحزون ليجد فيه سلوته، ويُقبل عليه العالم ليجد فيه طلبته، ويُقبل عليه الهارب من قيود الحياة الرتيبة ليجد فيه خلوته .. يُقبل عليه الضال التائه الحائر ليجد ضالته.

انظر كيف أن آيات السورة الواحدة تنتقل بك من موضوع إلى آخر، ومن وصف إلى قصص، إلى وعد ووعيد، إلى تشريع، ... .


(١) المكتوبات (٤٢٥ - ٤٢٦) باختصار وتصرف يسير.
(٢) المصدر السابق (٤٦٣).
(٣) رسائل ابن تيمية في السجن ص (٣١).
(٤) التعبير القرآني والدلالة النفسية للجيوسي ص (١٣٦).
(٥) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٥٣).

<<  <   >  >>