<<  <  ج: ص:  >  >>

شلَّال الإيمان:

روى التاريخ أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة، فقاتل بها، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه، فعقرها ثم قاتل، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره فقطعت، فاحتضن الراية بعضديه، حتى قتل وله ثلاث وثلاثون سنة، ووجد المسلمون ما بين صدره ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة سيف وطعنة رمح، كلها من الأمام، ومات فتى الفتيان وهو يحنُّ إلى الجنة، ويتغنى بنعمائها، ويستهين بزخارف الدنيا.

هل يُتصور هذا من غير عقيدة تتغلغل في الأحشاء، ونشوة إيمانية تسري في العروق، ولذة روحية تتغلب على الشعور بالألم؟!

إن هذا الشلال من الإيمان والاحتساب، ورجاء الأجر والثواب، والشوق إلى الجنة، والحنين إلى الشهادة، والحب لله ولرسوله وللمؤمنين؛ لازال بكرًا، ولم يُستخدم بعد، ولم يقتبس منه هذا التيار المضيئ المنير) (1).

ومن ثمار الإيمان:

سادسًا: الرغبة في الله

كلما ازداد الإيمان بالله عز وجل ازدادت ثقة العبد فيه سبحانه وبأنه مالك الملك، المتصرف في شؤون كل ذرة فيه، العليم الخبير الذي لا تغيب عنه أي حركة أو سكنة في هذا الكون .. القادر المقتدر، الغفور الرحيم ....

وبنمو هذه الثقة في القلب تزداد رغبة العبد في ربه فيصبح ذهنه مشغولًا بالتفكير فيه، وقلبه حاضرًا معه .. فيتوجه إليه بالأعمال، ويتزين له بالأفعال التي ترضيه .. يُكثر من مناجاته وبث أشواقه إليه ... يسترضيه كلما قصَّر أو زلَّت قدمه ... يطلب منه المساعدة في كل أموره، والشهادة على ما يحدث له.

وفي المقابل: يصغُر حجم الناس في نظره وتقل الثقة فيهم حتى تنمحي من حيث كونهم لا يملكون له نفعًا أو ضرًّا، فلا يتزين لهم في أفعاله، ولا يسعى لعلو منزلته عندهم، بل يستغني عنهم، وينقطع من قلبه الطمع فيهم، ومن ثَّم لا يرائيهم بأقواله أو أفعاله ..

إن الرياء صورة بغيضة تعكس جهلًا عظيمًا بالله عز وجل، وضعفًا شديدًا في الإيمان به .. هذه الصورة يمكنها أن تضمحل وتنمحي تلقائيًّا بزيادة الإيمان الحقيقي بالله والثقة فيه.

الراغبون في الله:

- يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله .. غبتُ عن أول قتال قاتلته المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين لَيَرَيَنَّ الله مني ما أصنع.

فلما كان يوم أُحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني: المسلمين)، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعنى: المشركين)، ثم تقدم فاستقبل سعد بن معاذ، فقال: يا سعد، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها دون أحد. قال سعد: فما أستطيع أن أصف ما صنع (2).

- ويقول سعد بن أبي وقاص: لما كانت «أحد» لقيَني عبد الله بن جحش وقال: ألا تدعو الله؟ فقلت: بلى. فخلونا في ناحية، فدعوت، فقلت: يارب إذا لقيت العدو فلَقِّني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه، فأمَّن عبد الله بن جحش على دعائي، ثم قال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: فيم جُدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت.

قال سعد: كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي، لقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط (3).


(1) نفحات الإيمان لأبي حسن الندوي.
(2) رواه البخاري (3/ 1032، برقم 2651).
(3) أخرجه البيهقي في سننه (6/ 307)، والحاكم في المستدرك (2/ 86) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه، وأورده الذهبي في السير (1/ 112).

<<  <  ج: ص:  >  >>