<<  <  ج: ص:  >  >>

فعلى سبيل المثال: عندما عزم أبو بكر الصديق على قطع النفقة التي كان ينفقها على مسطح بن أثاثة لأنه كان ممن تكلم في حادثة الإفك نزل القرآن ليُذكّره وغيره بفضيلة العفو بقوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور/22] فعند ذلك قال الصديق: بلى والله إنّا نحب أن تغفر لنا يا ربنا، ثم أرجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا (1).

وعندما اختلف رجلان على ميراث بينهما وذهبا يحتكمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا فعل معهما؟!.

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد دُرِست ليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحَن بحُجَّته من بعض فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة» فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما: حقي لأخي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخَّيَا الحق ثم استهما ثم ليتحلل كل واحد منكم صاحبه» (2).

غنائم بدر:

عندما انتصر المسلمون على المشركين في غزوة بدر كانت هناك غنائم كثيرة مما أدى إلى اختلاف البعض حول كيفية توزيعها، وظن بعض الشباب أنهم أحق مِن غيرهم من الشيوخ .. فكيف تمَّت معالجة هذه المشكلة؟

نزلت سورة الأنفال وبدأت بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]. فخرجت الغنائم من أيديهم تمامًا، وأصبحت لله ورسوله.

ثم بدأت الآيات تذكِّرهم بالإيمان وعلاماته، وأوردت بعض صفات المؤمنين ليعرض كل منهم نفسه عليها {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4].

فهل يفكر أحد بعد هذه الآيات في الغنائم، أم أنه سيفكر في نفسه، وأين هو من هذه الصفات، وهل هو مؤمن حقا أم لا؟

ثم تمضي السورة فتذكرهم بما مَنَّ الله عليهم من نصر عظيم في هذه الغزوة المباركة، وأن هذا النصر كان من عند الله عز وجل وحده، لا من عند أنفسهم، فلقد غشَّهم بالنعاس، وأنزل عليهم الغيث، وأمدهم بالملائكة، وسدد رميهم، وثبت أقدامهم، وأوهن كيد عدوهم.

ثم تذكرهم الآيات بضرورة الاستجابة لله والرسول، وتخوِّفهم بأن الله يحُول بين المرء وقلبه.


(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 259، 260.
(2) أخرجه الإمام أحمد (6/ 320)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، وابن أبي شيبة (7/ 353). والإسطام: هي الحديدة التي تُحرَّك بها النار.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير