<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

[المقدمة]

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مِلء السماوات والأرض وما بينهما، ومِلء ما شاء ربنا من شيء بعد، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه وسار على نهجه إلى يوم الدين، أما بعد:

فعندما تولى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - الخلافة قام بتعيين عمر بن الخطاب قاضيًا على المدينة، فمكث عمر سنة لم يفتتح جلسة، ولم يختصم إليه اثنان، فطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء، فقال له أبو بكر: أمِن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر؟

فقال عمر: لا يا خليفة رسول الله، ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين، عرف كل منهم ما له من حق فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يُقصِّر في أدائه .. أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه .. إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه .. دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟ ففيم يختصمون؟!

لقد مكث عمر بن الخطاب في القضاء عاما كاملًا بلا عمل، فلم يشأ أن يستمر في هذا المكان بعد أن تأكد بأنه ليس للقاضي عمل حقيقي بين أهل المدينة الأخيار الذين تمكن الإيمان في قلوبهم فسمت اهتماماتهم، وعظُم شأن الآخرة لديهم فأنابوا إليها، وصغرت الدنيا عندهم فلم يتنافسوا عليها، ومِن ثَمَّ لم يعد هناك مجال للخصومة بينهم، وإن حدثت فسرعان ما يفيئون إلى الحق دون الحاجة للذهاب إلى القاضي.

إن هذه الواقعة تعكس إلى حد كبير أثر الإيمان عندما يتمكن من القلوب، فالإيمان يصنع المعجزات ولا ريب.

ولقد نقلت إلينا كتب التاريخ مظاهر كثيرة لأثر الإيمان على جيل الصحابة رضوان الله عليهم، والذين كانوا قبل إسلامهم قوما ضالين، يأكل القوي فيهم الضعيف .. يسيئون الجوار، ويعبدون الأحجار، ويتكالبون على الشهوات، ففعل بهم الإيمان ما فعل حتى أصبحوا مضرب المثل في كل الإيجابيات والفضائل.

ونحن إذ نعيش في عصر تعلو فيه رايات المادية، وتغلب آثارها بوضوح على واقع الناس من أثَرَة وأنانية وتنافس على الدنيا .. ؛ حرِيّ بنا أن نعمل باستمرار على زيادة الإيمان في قلوبنا وقلوب من حولنا حتى يتغير العُرف العام للأمة، وتظهر فيها المظاهر الإيجابية كما ظهرت في الجيل الأول.

ومن أهم الوسائل التي تعيننا -بإذن الله- على تحقيق ذلك: استشعار الحاجة الماسة لزيادة الإيمان في القلوب.

فكلما استثيرت مشاعر الاحتياج تجاه زيادة الإيمان؛ كلما قويت الرغبة، واشتدت العزيمة نحو تحقيقه.

ولكي تستثار مشاعرنا تجاه هذا الأمر علينا أن نعود لسيرة الجيل الأول فنتعرف على ثمار الإيمان وآثاره عليهم.

وعلينا كذلك التعرف على مراحل الارتقاء والزيادة الإيمانية وآثارها المختلفة، والتي تظهر بوضوح في علاقة المرء بربه وبالناس، وتظهر كذلك في كيفية تعامله مع أحداث الحياة وتقلباتها المختلفة، ليكون هذا التعرف بمثابة المرآة التي تكشف مستواه الإيماني الحقيقي أمام نفسه، وساعتها يتأكد - كما تأكدت - بأنه لا يزال ينقصه الكثير، وأن أمامه شوطا كبيرًا عليه أن يجتازه في رحلته الإيمانية، فيكون ذلك مدعاة لتشميره وسعيه الحثيث لتدارك ما فاته قبل أن يأتيه الموت فلا ينفعه حينئذ الندم، ولا الرغبة في الصلاح {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 99، 100].

نسأل الله عز وجل أن يوقظ قلوبنا ويحييها بالإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].

<<  <  ج: ص:  >  >>