<<  <  ج: ص:  >  >>

وليس معنى هذا هو حب الفقر والرغبة فيه، فلقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه «وأعوذ بك من الكفر والفقر» (1). ولكننا - هنا - نتكلم عن حالة إيمانية سامقة يعيشها القلب تدفعه إلى الضن بالمال على الدنيا، والاكتفاء بأقل القليل لتيسير أموره فيها، وإرسال كل ما يُمكن إرساله إلى الدار الباقية، وحتى لو تمتع بنعمها فإنه يشكر الله عليها ولا يستعملها في معصيته.

ولقد كان هناك أثرياء في الصحابة رضوان الله عليهم نتيجة عملهم في التجارة كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ولكنهم كانوا يُحبون إنفاق أموالهم أكثر من حبهم لإمساكها، وكانوا يتحينون أي فرصة تتاح لهم لبذل الكثير من تلك الأموال كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة، وشراء بئر رومة، وكما فعل عبد الرحمن بن عوف - كما مرَّ علينا - عندما أخرج كل تجارته التي جاءت من الشام لله عز وجل بعدما بلغه قول السيدة عائشة: بارك الله فيما أعطاه في الدنيا، ولثواب الآخرة أعظم.

[الارتقاء الإيماني والتعلق بالبشر]

في أوقات الغفلة وقبل حدوث اليقظة الإيمانية، تكون ثقة المرء في ربه، وفي أنه مالك الكون ومدبر أموره والقائم عليه؛ محدودة، وفي المقابل تكون ثقته في الناس وفي قدراتهم الظاهرة أمامه كبيرة، ومن ثَمَّ يزداد إيمانه في إمكانية نفعهم أو ضرهم له، فيسعى لنيل رضاهم والاستفادة منهم، لذلك تجده يتزين لهم بأقواله وأفعاله .. يفرح بمدحهم، ويحزن من نقدهم .. يسعى دوما لتحسين صورته أمامهم لعله ينال حظوتهم.

فإذا ما حدثت اليقظة وازداد الإيمان قوة ورسوخًا في القلب ازدادت تبعًا له الثقة في الله عز وجل، ومن ثَمَّ تحولت هذه المشاعر تدريجيًّا نحوه سبحانه، وانصرفت عن الناس، فيقل الاهتمام بهم والتفكير فيهم، والحرص على نيل رضاهم، وإن كان رضاهم عنه سيتحقق بعد ذلك - بإذن الله - ولكن عن طريقه سبحانه - تبعًا لا قصدًا -.

قال صلى الله عليه وسلم: «من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، و من أسخط الناس برضا الله كفاه الله مُؤنَة الناس» (2).

وقال: «إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادى جبريل فى أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول فى الأرض» (3).

وكلما نما الإيمان أكثر نقص التعلق بالناس، والطمع فيهم حتى يصل المرء لدرجة الاستغناء القلبي عنهم، أو بمعنى آخر: ينقطع تعلق القلب بهم من حيث النفع والضر.

نعم هو قد يطلب مساعدتهم في بعض الأعمال، لكنه يتعامل معهم باعتبار أنهم من جملة الأسباب التي قد يأخذ بها، أما الذي يُحرك الأحداث ويُنشئ النتائج فهو الله عز وجل، وما البشر إلا ستار لإظهار قدرته وربوبيته.

وكذلك فهو قد يأخذ منهم ما يُعطونه إياه بطيب نفس، ولكن يأخذه بمشاعر من يأخذ من الله عن طريقهم، وأنهم مجرد أدوات لتوصيل رزق ربه - سبحانه - إليه.

وهكذا تظهر بالتدريج ثمار الاستغناء عن الناس تبعًا لنمو الإيمان الحقيقي في القلب.


(1) أخرجه ابن أبى شيبة (6/ 24، رقم 29184)، وأبو داود (4/ 324، رقم 5090)، وأحمد (5/ 42، رقم 20446)، وقال الشيخ الألباني صحيح الإسناد.
(2) أخرجه الترمذي (4/ 609 برقم 2414)، وصححه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» برقم (6010).
(3) متفق عليه: أخرجه البخارى (3/ 1175، رقم 3037)، ومسلم (4/ 2030، رقم 2637).

<<  <  ج: ص:  >  >>