للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أحدهما: المراء به واللّجاج (١) الذي يعرف صاحبه أنّه غير مفيد, وربما عرف أنّه مثير للشّرّ, والفرق بينه وبين الجدال بالتي هي أحسن: أن يكون المجادل بالتي هي أحسن قاصداً لإيضاح الحقّ, أو طامعاً في اتّباع خصمه لا يقبل, ولم يكن له مقصد إلا غلبة الخصم, ومجرّد الظّهور عليه, ملاحظة لحظّ النّفس في ذلك فقد صار ممارياً وداخلاً في المنهيّ عنه.

وثانيهما: أن ينتصر للحقّ بالخوض في أمور يستلزم الخوص فيها الشّكوك والحيرة والبدعة, ولا يقتصر -في الانتصار للحقّ- على أساليب القرآن والأنبياء -عليهم السلام- والسّلف الصّالح -رضي الله عنهم-, وإنّما كره الانتصار للحقّ بتلك الطريقة لما أشار إليه كثير من محقّقي علم الكلام: من أنّها خوض في محارات العقول, وبحث في غوامض تلتبس العلوم فيها بالظّنون, وسير في متوعّرات مسالك تزلّ فيها أقدام الحلوم.

ألا ترى أنّهم قد خاضوا في الرّوح مع قوله تعالى: ((ويسئلونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)) [الإسراء/٨٥] مع عدم الحاجة إلى الخوض فيه؛ لأنّ معرفته غير واجبة كمعرفة الله تعالى, وقد حاولوا تأويل الآية ليتنزّهوا عن دعوى ما لا يعلمون, فجمعوا بين خطر تأويل القرآن بغير قاطع, ولغير موجب, وبين خطر دعوى علم ما لم يثبت على دعواه برهان قاطع, وقد قال الله تعالى: ((ولا تقف ما ليس لك به علم/ إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك


(١) في (س): ((المراد به اللجاج))!.