للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

راهب من رهبانيته .. و لا يطأ أرضهم جيش .. و أن أحمي جانبهم، و أذب عنهم و عن كنائسهم و بيعهم و بيوت صلواتهم .. و أن أحرس دينهم و ملتهم أين كانوا .. بما أحفظ به نفسي و خاصيتي و أهل الإسلام من ملتي (١) ".

وجاء الخليفة الراشد الأول ابو بكر الصديق ليسير على نفس النهج وارسل وصية ليزيد بن أبي سفيان أمير جنده الذاهب إلى الشام، يحدد فيها إطار علاقة المسلمين بالديانات الأخرى ويؤصل لقانون و أخلاقيات الحرب في الإسلام يقول فيها: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم و ما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له .. و إني أوصيك بعشر: لا تقتل إمرأة و لا صبيا. و لا كبيرا هرما. و لا تقطعن شجرا مثمرا. و لا تخربن عامرا. و لا تعقرن شاة و لا بعيرا إلا المأكلة و لا تحرقن نخلا و لا تغرقنه، و لا تغلل و لا تجبن " (٢).

وما نستخلصه من هذه الوثائق المرجعية الأساسية هو أن أحكام التمييز و الفصل ليست هي المقياس الأصلي لعلاقة المسلمين بأهل الكتاب، بل إن الإسلام يعتمد معيار الدولة المدنية غير الدينية التي تقوم العلاقة بين مواطنيها على أساس المصلحة المشتركة و التعاون على دفع الظلم و تحقيق العدل وبسبب هذه المبادئ والاخلاقيات فقد كان مجئ الإسلام - خلافاً لتعصب الأباطرة البيزنطيين- يبدو تحريراً لليهود وللمسيحيين الذين كانوا يسمون (الهراطقة)، أي تحريراً لمعظم سكان المنطقة ما عدا المحتلين البيزنطيين ... ولذا عندما اقترب المسلمين من سورية وفلسطين استقبلوا - على أنهم محررون- من قبل الجماهير العربية المهيأة من الناحية الدينية للاعتراف بمبدأ التوحيد الواضح في الإسلام الذي يرى في ابراهيم وموسى وعيسى رسلاً من عند الله وأنبياء قد سبقوا (محمداً). يقول ميشيل السوري: "إن الله المنتقم قد أرسل إلينا بالعرب لينقذونا من الرومان. إن كنائسنا لم ترجع إلينا فقد احتفظ كل بما يملك .. ولكن العرب حررونا من وحشية البيزنطيين وحقدهم علينا".


(١) الحوار الإسلامي مع الأديان التوحيدية الأخرى: الخلفيات و الآفاق - عبد الملك منصور حسن المصعبي
(٢) راجع هذه الوثائق في مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي و الخلافة الراشدة - جمعها و حققها حميد الله الحيدرابادي - طبعة القاهرة ١٩٥٦

<<  <  ج: ص:  >  >>