للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التصنيف البيولوجي أقرب الناس إليهم وجيرانهم في الجزيرة وشركاؤهم في البياض والنضارة. فلطالما لازمت الايرلنديين صفة التوحش wild Irish وقالوا عنهم إنهم يعبدون الشيطان، وأنهم أجلاف عراة أحلاس الغابات والمستنقعات، يعيشون على نوع من لحم البشر، أو من لحم أمهاتهم اللواتي كانت لهن أذناب طويلة، وكن متوحشات يأكلن أطفالهن (١).

وعندما نزلت أول دفعة من المستوطنين الإنجليز من سفنهم الثلاث عام ١٦٠٧م إلى اليابسة على شاطئ فرجينا في أمريكا الشمالية، فإنهم لم يقوموا فقط ببناء مستوطنة تقوى مركز إنجلترا في مواجهة جارتها الأوربيات، بل جلبوا معهم أفكاراً وعادات شكلت الأساس، الذي قامت عليه ممارساتهم العرقية في المجتمع الأمريكي. وأول ما جلبوه معهم إحساسهم كإنجليز بالتفوق العرقي والثقافي، واعتقادهم بأن البروتستانتية هي التعبير الحقيقي عن الإيمان المسيحي، وإيمانهم بأن التطهيريين (البيوريتان) هم خير من يمارسها في شكلها الصحيح. واعتبر الإنجليز كل من يختلف عنهم بأنه من مرتبة أدنى منهم. وقد ساد هذا الموقف وترك أثره على كل التفاعلات التي حدثت في المجتمع الأمريكي (٢)، حيث أعطى الأميركيون البيض معركتهم من الهنود الطابع الديني وكأنهم يخوضونها بالنيابة عن الله والمسيح، ليبرروا اضطهادهم وسرقة أرضهم. فعندما زحف (أبناء الرب) من جزيرة روانوك في اتجاه الغرب لم تكن حروب الإبادة والتطهير العرقي وحرق المحاصيل، ومصادرة الأراضي، وإطعام الأطفال الهنود للكلاب إلا مظاهر (إرادة الله ـ يهوه) في العهد القديم (٣).

وهذه العقلية المتعالية - التي لم تر في الآخرين (وهم الهنود في هذه الحالة) سوى وثنيين مجردين من إنسانيتهم، ومن حقوقهم، ولا يستحقون المواطنيه، لأنهم بكل بساطة تحت (قبضة الشيطان)، ويتربصون بالولايات المتحدة شراً، ويريدون لها أن تصير أرضاً نظيرة للجحيم - هذه العقلية المتعالية، ليست بعيدة عن فكرة (شعب الله المختار)، وهي رؤيا كانت كافيه لاستعباد السود والدعوة إلى استحالة دمجهم في


(١) حق التضحية بالآخرـ تأليف منير العكش ـ ص٥٨
(٢) أمريكا و أزمة ضمير - محمد جلال عناية - ص٢٤
(٣) حق التضحية بالآخرـ تأليف منير العكش ـ ص١٥٢

<<  <  ج: ص:  >  >>