للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لأول مرة قبل نهاية عقد السبعينات من القرن السابع عشر الميلادي وذلك حال ظهور الجيل الثالث من المستعمرين (١).

ففي منتصف القرن السابع عشر الميلادي ساد اعتقاد بان الله عاتب على شعبه الجديد، وان هناك بوادر خصومه عبر عنها (ميخائيل ويغل وورث) أحد أكبر شعراء عصره في قصيدة ملحمية بعنوان (خصومة الله مع نيو انغلند) ندب فيها فشل المستعمرين في أداء واجبهم الرسالي، وتبدأ الملحمة بمقدمة طويلة تصف شيطانية الهنود وظلاميتهم ووحشيتهم، وكيف أن هؤلاء العماليق والكنعانيين الملعونين تنطحوا لمحاربة رب إسرائيل ثم انهزموا مذعورين أمام جنوده؟! وهناك عشرات المحاولات لتقليد هذه القصيدة الملحمية من قبل شعراء ثانويين، كلهم ردوا غضب الله إلى خيانة العهد معه، ودعوا إلى تجديده كما فعل العبرانيون القدامى (٢).

وهكذا منذ ظهرت أمريكا، كان التبرير الديني حاضراً، ليبرر كل ما تقوم به، من خلال الاعتقاد بأنها، في كل ما تفعل ـ حتى وان كان ما تفعله جريمة إبادة جماعية لشعب بأكلمه ـ تقف في صف الله وتنفذ رغباته. فالهنود الحمر، مثلاً، كانوا أشباه بشر، وأبالسة من أعماق الجحيم، وأعداء للمسيح، ولذا، فإن أبادتهم كانت عملاً خيراً من اجل المسيح وضد الشيطان إبليس عليه لعنة الله. ودائماً بشكل لحوح مستمر ومتواصل كان كل من استهدفته أمريكا شيطاناً (إبليس) أو من زبانية الشيطان (إبليس). وبالتالي كان قتال أمريكا له عملاً مقدساً من أعمال الله على الأرض. فالإمبراطورية الأسبانية، مثلاً، عندما اندفعت أمريكا إلى ما وراء حدودها الوطنية لتأخذ من تلك الإمبراطورية مستعمراتها في أمريكا الجنوبية، والبحر الكاريبي، والمحيط الهادي، كانت (إبليس)، وكانت أمريكا بمحاربتها أسبانيا لأخذ مستعمراتها منها قائمة بعمل الله على الأرض، وقائمة بدور الملاك جبرائيل في قتاله مع إبليس ... وعندما اعتبرت الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي، بعد الحرب العالمية الثانية، منافساً خطراً لها .. بات الاتحاد السوفيتي هو إبليس وقامت أمريكا بدور جبرائيل، دفاعاً عن المسيح (٣).


(١) الدين والثقافة الأمريكية - جورج مارسدن - ص٢٧
(٢) حق التضحية بالآخرـ تأليف منير العكش ـ ص١٢٧
(٣) المسيحية والتوراة - شفيق مقار ص٤١٥

<<  <  ج: ص:  >  >>