<<  <  ج: ص:  >  >>

أمين تقي الدين الشاعر الكبير والناثر المبدع

إعداد: وفيق غريزي

شاعر مبدع، ومحام بارع، وأديب مميز، وصحافي لامع. أطرب القلوب والعقول بشعره فاهتز له الوجدان. صنّف من الرعيل الأول بين الشعراء في ميله إلى التجديد شكلاً ومضموناً، يوم كان الشعر يرسف في قيود التقليد. قصائده عدّت من عيون الشعر لما فيها من صياغة بارعة محكمة الصنع وضاءة كالشمس، ليّنة كالنسائم، تتّسم بالرقة والشفافية. إنه الشاعر والناثر أمين تقي الدين.

[نشأته وحياته]

نشأ الشاعر أمين تقي الدين في عصر مضطرب قلق، حيث ولد في بلدة بعقلين الشوف، عام 1884. والده القاضي سعيد تقي الدين كان رئيس محكمة الشوف لسنوات عدة. لما بلغ السابعة من عمره دخل مدرسة الداوودية في عبيه، حيث تلقى دروسه لمدة عامين. ومنها انتقل إلى مدرسة الحكمة في بيروت وتتلمذ على ايدي الشيخ عبد الله البستاني. من الحكمة سافر إلى مصر سنة 1905 وبقي هناك تسع سنوات، حيث عمل في الصحافة اليومية في جريدة «الظاهر» لصاحبها محمد أبو شادي. ودخل كلية الحقوق الخديوية، ونال شهادة الليسانس في جامعة «ديجون» فرنسا حيث كان يسافر إليها في نهاية كل سنة.

طلب إليه صديقه المفكر اللبناني انطون الجميل أن يعاونه في تحرير مجلة «الزهور» ففعل وأصبح شريكاً له عام 1911.

صقلت أرض مصر شعور شاعرنا وجلت قريحته، جراء اتصاله المباشر بالأدباء المصريين من جهة، والأدباء اللبنانيين المهاجرين إلى الديار المصرية من جهة ثانية. وأبرز المبدعين الذين أقام علاقات صداقة معهم: أمير الشعراء أحمد شوقي، وشاعر النيل حافظ ابراهيم، وولي الدين يكن، واسماعيل صبري، ومحمود سامي البارودي، وشاعر القطرين خليل مطران، وجرجي زيدان، وشاعر الأرز شبلي الملاط، والمفكر شبلي شميل والامام الشاعر محمد العبد وغيرهم.

قبل اعلان الحرب العالمية الأولى عاد أمين تقي الدين في العام 1913 إلى أرض الوطن، وما أن استقر في بلدته حتى أرسلت السلطة العسكرية مذكرة احضار له. فطُلب اليه سراً أن يتوارى عن الأنظار، لأن قائد درك بيت الدين قادم مع ثلة من جنوده للقبض عليه. فلجأ شاعرنا إلى مزرعة يملكها ذووه في ضواحي البلدة. وهناك انكب على كتابة المقالات والشعر، وترجم قصة «شاب فقير» من الفرنسية إلى العربية.

ويُقال إنه حُكم عليه بالإعدام، وانه فرّ من وجه السلطات العثمانية مدة من الزمن. وقد روى شاعرنا قصة نجاته من قبضة الأتراك في حديث لإحدى المجلات اللبنانية (مجلة المكشوف).

واثر انتهاء الحرب، وفرض نظام الانتداب على لبنان، عهد اليه الفرنسيون شؤون الإعاشة، ثم تم تعيينه عضواً في المحكمة التي تشكلت للنظر في بيوع الحرب وقضى فيها عامين.

بعد ذلك، نزل إلى بيروت وعمل في الصحافة، وبدأ يكتب في «البيرق» ثم في «البرق»، وأنشأ مكتباً للمحاماة العام 1919 مع صديقه جبرائيل نصار، وما لبث أن تحوّل مكتبه إلى منتدى شعري وملتقى الشعراء والأدباء أمثال: الأخطل الصغير، وموسى نمور، وميشال زكور، ووديع عقل، والياس فيّاض، وأديب مظهر، والياس أبو شبكة الذي كان يقرأ على مسامع أمين تقي الدين ما تفيض به قريحته من شعر.

ساهم شاعرنا في تأسيس «الشبيبة اللبنانية» العام 1920، وانضم إلى رابطة «الأدب العربي» وهو من مؤسّسي «الرابطة الأدبية» التي دعا إليها الأخطل الصغير. وفي العام 1921 أصبح سكرتيراً لنقابة المحامين في بيروت. ترشح للانتخابات النيابية في أكثر من مرة ولم يُكتب له النجاح. وساهم في تأسيس عدد من الأحزاب وهي: حزب الاتحاد الديمقراطي، حزب الجبهة اللبنانية - مع يوسف السودا والياس الخوري والياس البعقليني.

[صفاته ومميزاته الشعرية]

كان الشاعر أمين تقي الدين محبوباً من الجميع، سريع النكتة، أنيقاً في ملبسه، حلو الحديث، مترفعاً عن الصغائر، طيب القلب والسريرة. لم يسخر قلمه لمصلحة أحد مهما علا شأنه، يعتمد على علاقاته بالفئات الشعبية، يكره المدح والإطراء أو الكذب والتملّق. كان لبنانياً حتى العظم، وتجلت لبنانيته بشعره ونثره. كانت مرافعاته في القضاء حجة في البلاغة حتى أن رئيس محكمة الجنايات الشيخ محمد الجسر قال له: «إني أخشى على العدل من بلاغتك، فقد تستطيع ببيانك أن تجعل الحق باطلاً، والباطل حقاً». ومن الحوادث التي تُروى عنه: أن شخصاً قصد الشاعر أمين لكي يتوسط له مع الشيخ محمد الجسر من أجل حل مشكلة، فكتب إليه أمين تقي الدين على البطاقة ما يلي: «أخي الشيخ محمد. حق حامل هذه البطاقة إليك، كحقه عليّ وعليك. إذ رآني موضعاً لأمله، ورآك موضعاً لقضاء حاجته، فأنا حققت الأمل، فأنجز له الحاجة. والسلام عليك».

رغب شاعرنا في قرض الشعر وهو في سن الحداثة وعشق الشعر عشقاً كبيراً. وكان إذ ذاك في مدرسة الحكمة. وأراد شقيقه محمود يوماً أن يختبر مقدرته في النظم، فقال له سأروي لك هذه القصة، وإذا كنت شاعراً حقاً فاروها لنا شعراً؛ وروى له القصة التالية: كان في برج البراجنة رجل وجيه يُدعى محمد العرب يتخلّق بأخلاق العرب من كرم ووفاء. وكان أحد أهالي البرج قد قتل ولده وهرب خوفاً من انتقام اخوة القتيل، وقادته قدماه وهو لا يدري، إلى بيت محمد العرب نفسه - والد القتيل، فدخل عليه فقبّل يده وقال: أنا وقيعك ولا أستحق أن أقبّل يدك ويدي لا تزال ملطخة بدم. قال محمد: بدم مَن؟ أجاب الرجل أنا قاتل ابنك. وفي تلك اللحظة دخل اخوة القتيل على والدهم وسألوا والدهم عن القاتل، فقال لهم رأيته هارباً إلى خارج القرية. وبعد أن انتهى محمود من سرد الحكاية، غاب شاعرنا مدّة قصيرة من الزمن ليعود وقد نظم القصة شعراً.

شعره جزل الألفاظ، رائق الاسلوب، متين القوافي، سالم من العيوب، لا ابتذال ولا تكلف، تتجلى البساطة والعفوية، في أبياته، وتكاد الطلاوة تتدفق من صدوره واعجازه. إنه شاعر انطلق من عاطفته وإحساسه وشعوره، لا يبالغ ولا يغالي ولا يقول ما لا يحتمله الناس، فالشعر إذا لم يكن ذكرى وعاطفة وحكمة فهو تلحين وأوزان حسب قول أمير الشعراء أحمد شوقي. والشعر عند أمين تقي الدين يصدر عن القلب ولواعج الفؤاد ليستقر في القلب فوراً لا في الأذن. لقد نظم في أغراض كثيرة: في الوطنيات، في الرثاء، في الوجدانيات، في الاجتماعيات، في الاخوانيات».

بين الوجدان .. والوطن

كان شعره الوجداني شعر الاباء، وعزة النفس، وكرم الأخلاق، «اذا تعذب فلا يضعف ولا تخور قواه. فهو صامد تجاه مصائب الأحداث، ثابت الجنان» ويقول في شكوى الدهر:

تسائلني كيف يشقى الكريم ... كأني لبست الشقاء جديدا

تصدى لي الدهر مستبسلاً ... وأرصدت للدهر خلقاً شديدا

كلانا على عزمه ثابت ... حديد القوى يستفزّ حديدا

ووالله ما شدّ إلا شددت ... فلاقى ولاقيت خصماً عنيدا

إذا لان عزمي استراح الزمان ... وإن وهن الدهر عشت سعيدا

أحب شاعرنا وطنه كما لم يحبه إنسان من قبل، وأخلص له كل الإخلاص، وتغنى به. وأحب طبيعته وارتاح إليها وبثها لواعج صدره، وقصيدته «الله يا لبنان» من أروع القصائد الوطنية على الإطلاق، تناقلتها الألسن من جيل إلى جيل، ويقول في مطلعها:

الله يا لبنان ما أجمل ... وأروع الشيب الذي جلّلك

بين يديك الملك في جاهه ... على الثرى أو عزّه في الفلك

أنت نعيم الله في وعده ... مثلث بالنعمة من مثلك

عندما يرى الجهل والضعف في بني وطنه ينتفض داعياً إلى الوحدة ونبذ الخلافات وبسط التآخي، فيقول:

تريد لقومنا وطناً عزيزاً ... ويأبى الجهل إلا أن يهونا

تطاعن أهله عبثاً وعفواً ... ولست أرى سوى الوطن الطعينا

[الشاعر في أقلام الآخرين]

قال عن أمين تقي الدين الشاعر والأديب أمين نخلة الذي ربطته به صداقة عميقة: «اشعر بين المقلّ والمكثار، يقول القصيدة اثر القصيدة. أو يسكت حولاً كاملاً. وهو إن نظم الشعر فلخطرة تخطر على باله، أو جيشة تجيش في صدره. وقد ينظمه في خلوته وفي روحه وفي مجلس أدب وظرف يتفق له. حاضر القافية مكينها. معلم اللفظ روعة وسلاسة. أما المعنى فلا يزال في شأوه الأنسب، حتى يقع له دقيقاً صافياً، لا اثر عليه للكد والإعنات».

أما المؤرخ فؤاد افرام البستاني فقال: « ... كان أمين تقي الدين في مقالاته المتفرقة، وقصائده المتداولة حفظاً وإعجاباً، أستاذ فن دقيق، ومثال إنشاء صحيح، وقدوة في تفهم هذه المفردات النابضة حياة، المتململة غبطة وألماً، فغدا أقرب القدماء إلى النشوة الفنية الحديثة، كما كان أقرب المحدّثين إلى المتانة السليمة والصفاء القديم». وشبّه البعض شعره بشعر ولي الدين يكن.

والطريف في أمر شاعرنا أنه لم ينشر أي ديوان شعر. ورغم ذلك احتل مكانته بين المبدعين اللبنانيين والعرب.


(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: نقلا عن مجلة الجيش اللبناني (العدد 240 - يونيو 2005)

<<  <  ج: ص:  >  >>