للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

والفعالية (١). وإن أي انحراف سلبي يطرأ على طبقة القدوة يهدد بانفصام داخلي فيها، فتستقلّ القيادة السياسية عن القيادة الفكرية وقد تتصادمان، فتخسر إحداهما، أو كلاهما، موقعها الملهِم للأمة ولا تصلح أن تكون قدوة، وتعوّض الأمة النقص الحاصل في القدوة بالبحث عنها في التاريخ أو الأساطير أو الحكايا الشعبية. وفي حال انفصلت القيادة السياسية عن القيادة الفكرية فإن الأولى تحرص على كسب ولاء الثانية أو الحظوة بمباركتها وامتلاك الشرعية عن طريقها، في حين تحاول القيادة الفكرية تقويم القيادية السياسية وحفزها على الالتزام بالأصول الحضارية للأمة، ويقدم الزمن المزيد من الخيارات .. فتذوب، أحيانًا، السلطة الفكرية في السياسية وتخسر مصداقيتها عند الأمة، أو تقود السلطة الفكرية الأمة في انقلابات وثورات إصلاح عنيف أو سلمي، أو تتحدان معًا لنهضة جديدة تمدّ الحضارة بمزيد من الوقود والطاقة.

- هناك تغييرات عامة تطرأ على طبقة القادة وتتأثر بها الأمة سواء بسواء، وهي تلك التغييرات التي تتعلق بحركة الصيرورة الزمنية، وتدرج الحضارة الطبيعي من المعنوي إلى المادي، وانتقال الفكرة من


(١) أشرنا في مطلع هذا البحث إلى أن الفكرة لن تتحول إلى فكرة حضارية فعّالة ما لم تضمن تحققها السياسي، وقد يكون هذا التحقق دوريًا في دورات داخلية وعقد مرحلية متغيرة، ويمكن أن نمثل لهذا الأمر بدولة المدينة في الحضارة الإسلامية، وبالملك لويس الرابع عشر في فرنسة، وبحكم نابليون فيما بعد الثورة الفرنسية .. ولكن التحقق السياسي ليس شرطًا لقيام الحضارة، بل هو شرط لتمكين الفكرة الحضارية وتحققها، وهو في الغالب نتيجة لاحقة للانطلاقة الحضارية.

<<  <   >  >>