<<  <  ج: ص:  >  >>

ونشّطتها، وخدّرت تدريجيًا النازع الجماعي، وحَدَّتْ من سلطته في الحياة إلا ذلك المقدارُ الذي يسانده النظام الاجتماعي نفسه ويحميه، وتلك المؤسساتُ والأعراف التي تجسّد الحاجات الجماعية وتمثّل حضورها المادي وسلطتها، وبسبب من هذا يكون النازع الجماعي أقوى في الطبقات الدنيا الشعبية التي يضطرها العجز وقلّة الخيارات إلى التقوقع على الذات، والتمسّك بالتقاليد، وحماية النظام والأصول التي تجد فيها ذاتها. وطبيعي بسبب من ذلك أيضًا أن تكون الفعّاليات المستندة إلى القوة الجماعية أكثر العناصر تأثرًا بانحسار النازع الجماعي.

بقدر ما يكفل النظام الاجتماعي الحامي للرابطة الجماعية تحقّقَ المصالح، تسندُ المصالحُ المتّحِدة بالنازع الفردي الولاءَ الجماعي، والانتماء للأمة. لذلك يُعجِّل تعطّل المصالح، أو تعطيلها، بانهيار الروح الجماعية، ويضعف الولاء للأمة، ويميل بالأفراد إلى السلبية، لا سيما إذا تكررت الخيبات، وأصبحت التجارب الخاسرة منطقًا يحكم الحياة اليومية، وانعدمت الثقة، وغلب اليأس على النفوس. في ذلك الحين تغدو القلّة، والتنافس في الضروريات، مبررًا للفردية ومشجعًا عليها، والتحديات التي تلمّ الشتات في الخطر ستعمّق الشقّة وتشجّع التفتّت الداخلي، إذا لم يتوافر في مقابلها ذلك المعادل الذي يولّد الطاقة اللازمة للصمود في وجه التحديات، وللتغلّب على ظرف القلّة، ويعزّز القيم التي تزرع الإحساس بالواجبات أكثر من الحقوق.

[4 - الفساد والظلم]

بعد أن كان الفعل الحضاري يعتمد على الروح الجماعية وعلى تشارك فئات الأمة المتنوعة في القيم والمصالح، والواجبات والحقوق، وهذا

<<  <  ج: ص:  >  >>