فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[فوائد لغوية]

فلتة من فلتات النحويين

أوجب النحويون نصب المستثنى بالا إذا كان الكلام مشتملا على (المستثنى منه) أي تاما ومشتملا على (الإثبات) أي غير منفى والظاهر أن ذينك الشرطين غير كافيين لا يجاب النصب فقد جاء في القرآن الكريم (لو كان فيهما آلهة إلا (الله) لفسدتا) برفع كلمة (الله) في حين أن الكلام تام مثبت.

وهذا نقض لذلك الحكم الموجب للنصب. وإن التعليل الذي ورد في مختار الصحاح لتلك الآية مضمونه أن (إلا) موصوف بها فهي قائمة مقام (غير) وهو صواب لكنه يأت بالسبب الذي جعلها موصوفا بها ولجهله السبب نقض ما بناه النحويون بتجويزه أن يقال (جاءني القوم إلا زبد) وفي ذلك وبال على لغة العرب. أما الذي استبنته فهو أن يضاف (شرط كون المستثنى منه معرفة) عند أيجاب النصب. فلينظر إلى (آلهة) وهو المستثنى منه يجده (نكرة) ولذلك لم ينصب المستثنى بالا ثم لينظر إلى قول الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان

فالفرقدان لم ينصب لان المستثنى منه (نكرة) وهو (أخ) ولو لم يعضد هذا البيت بالآية السابقة لجعلنا قول الشاعر (الفرقدان) اتباعا للروي. وهذا الحكم يثبت بالتغاضي عن قول القائلين أن (إلا) في هذا البيت بدل من واو العطف لان ذلك القول خطأ واضح لمن يعرف أن الفرقدين ثابتان لا يتفارقان ما شاء الله لكونهما من النجوم الثابتة. أضف إلى ذلك أن (إلا) لو كانت كذلك لصار عطف الشاعر لغوا مستهجنا لأنه قدم حكما عاما قوله (وكل أخ مفارقه أخوه). بيد أن (إلا) وردت بدلا من الواو لكن في غير هذا الاعتبار كقوله تعالى (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) أي واللمم. وربما كان كلامي عن المستثنى بالا محتاجا إلى التأييد أو التفنيد.

مصطفى جواد

<<  <  ج: ص:  >  >>