للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

غصب الأموال، وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: " لا يأمن الرجل في سلطانه (١) ونصوا على أن غمام المسجد الراتب أحق من غيره وإن [ ..... ] (٢) بفضله، وأنه يبعث له ندبا إذا ابطأ ليحجب أو يأذن له في الإمامة.

وقال الماوردي (٣): إن كان المسجد له إمام راتب بولاية لم يجز لمن دخله أن يقيم فيه


(١) أخرجه في صحيحه رقم (٥٨٢) من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو مرفوعا.
(٢) كلمة غير واضحة في المخطوط.
(٣) في "الحاوي" (٣).
قال الشافعي في "الأم" (١): وإذا كان للمسجد راتب ففاتت رجلا - أو رجالا - في الصلاة، صلوا فرادى، ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه ".
وقد استدل المانعون بالمنقول والمعقول:
المنقول: انظر الآية (١٠٧) من سورة التوبة - وقد تقد توضيحه - السنة النبوية وقد تقدم ذكر كثيرمن الأحاديث في ذلك.
نذكر منها أيضا: عن أبي بكرة رضي الله عنه: "أن رسول الله أقبل من نواحي المدينة، يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله، فصلى بهم ". وهو حديث حسن. انظر: "تمام المنة " (ص١٥٥).
ووجه الدلالة منه: أنه لو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهة لما ترك النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فضل المسجد النبوي.
-وكذلك استدلوا بالآثار:
منها: تقدم قول الشافعي " الأم" (١).
ومنها: مأخرجه ابن أبي شيبة (٢) وعبد الرزاق في مصنفه (٣ رقم ٣٤٢٥) و (٣٤٢٦) وذكره السرخسي في "المبسوط" (١، ١٦١).
عن الحسن البصري قال: " كان اصحاب محمد- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا دخل المسجد وقد صلي فيه صلوا فرادى".
وانظر: "المدونة الكبرى " (١). " إعلاء السنن" (٤)
ثم استدلوا بالمعقول:
قالوا عن الجماعة الثانية يؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة. لأن الناس أن الجماعة تفوتهم يعجلون أدائها ويحرصون على شهودها مع الإمام، فتكثر الجماعة وإذا علموا أنها لا تفوتهم، يتأخرون فتقل الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه. وقال الشافعي في "الأم" (١):
"وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان اتفرق الكلمة، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف الإمام جماعة فيتخلف ومن أرد عن المسجد في وقت الصلاة، فإذا قضيت دخلوا فصلوا فيكون في هذا اختلاف وتفرق كلمة، وفيها المكروه ". وقد علق أحمد شاكر على كلام الإمام الشافعي بقوله: "والذي ذهب إليه الشافعي من المعنى في هذا الباب صحيح جليل ينبي عن نظر ثاقه، فهم دقيق وعقل دراك لروح الإسلام ومقاصده، وأول مقصدا للإسلام ثم أجله وأخطره:
- توحيد كلمة المسلمين.
- جمع قلوبهم في غاية واحدة، هي إعلاء كلمة الله.
- توحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية. والمعنى الروحي في هذا اجتماعهم على الصلاة، وتسوية صفوفهم فيها أولا كما قال رسةل - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا تسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجهكم "تقدم.
- أخرجه البخاري رقم (٧١٧) ومسلم رقم (٤٣٦) عن النعمان بن بشير رفعه. ثم قال: وقد رأى المسلمون بأعينهم آثار تفرق جماعتهم في الصلاة واضطرب صفوفهم، ولمسوا، ذلك بأيديهم، إلا من بطلت حاسته. وطمس على بصره وإنك لتدخل كثيرا من مساجد المسلمين. فترى قوما يعتزلون الصلاة مع الجماعة طلبا لسنة - كما زعموا!!. ثم يقمون جماعات أخرى لأنفسهم، ويضنون أنه يقمون الصلاة بأفضل مما يقمها غيرهم، ولئن صدقوا، لقد حملوا من الوزر ما أضاع أصل صلاتهم فلا ينفعهم ما ظنوه من الإنكار على غيرهم في ترك بعض السنن أو المندوبات وترى قوما آخرين يعتزلون مساجد المسلمين، ثم يتخذون لأنفسهم مساجد أخرى، ضرارا، وتفريقا للكلمة، وشقا لعصى المسلمين. ثم قال: وكان عن تساهل المسلمين في هذا، وظنهم أن إعادة الجماعة في المسجد جائزة مطلقا إن فشت بدعة منكرة في الجوامع العامة مثل الجامع الأزهر، والمسجد المنسوب للحسين رضي الله عنه وغيرهما بمصر.
. ففي الجامع الأزهر مثلا إمام للقبلة القديمة، وآخر للقبلة الجديدة. ونحو ذلك في مسجد الحسين. وقد رأينا فيه أن الشافعية لهم إمام يصلي بهم الفجر في الغلس والحنفيون لهم آخر يصلي بهم الفجر بإسفار ورأينا كثيرا من الحنفيين من علماء وطلاب وغيرهم، ينتظرون إمامهم ليصلي بهم الفجر. ولا يصلون مع إمام الشافعين والصلاة قائمة والجماعة حاضرة، ورأينا فيهما وفي غيرهما جماعات تقام متعدة في وقت واحد وكلهم آثمون. "جامع الترمذي" (١ - ٤٣٢ هامش).
وانظر: "رحلة الصديق إلى البيت العتيق" (ص١٣٧) هامش ط الهندية.
تنبيه: قيود لمن قال بالمنع: ذهب منعه الجماعة الثانية إلى تفصيل في المنع فنتعوها في حالات دون أخرى ومن هذه القيود:
*أن يكون للمسجد إمام راتب. وهو من نصبه من له ولاية نصبه من واقف أو سلطان أو نائبا في جميع الصلوات أو بعضها وذلك بأن يقول: جعلت إمام مسجدا هذا فلانا. انظر: " بلغة السالك لأقرب المسالك " (١). *وقال الشيرازي في " التنبيه" (ص٣٨): وإن كان للمسجد إمام راتب كره لغيره إقامته الجماعة فيه. وقال النووي في "المجموع" (٤): "إذا لم يكن للمسجد إمام راتب فلا كراهة في الجماعات الثانية والثالة وأكثر بالإجماع ". - قال الإمام الشافعي في "الأم" (١١٨٠): وإنما أكره هذا - أي الجماعة الثانية - في كل مسجد له إمام ومؤذن. فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحيته لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم ويصلي فيه المارة ويستظلون، فلا أكره ذلك فيه، لأن ليس فيه المعتى الذي وصفة من تفرق الكلمة، وأن يرغب رجال عن إمامة رجل، فيتخذون إماما غيره ".
* قال العيني في "عمدة الفاري" (٥): "وحاصل مذهب الشافعي أنه لا يكره أي: الجمع بعد صلاة الإمام الراتب في المسجد المطروق ". وانظر: "روضة الطالبين " (١). "المبسوط" (١). - وأما أدلة المجيزون للجماعة الثانية في مسجد قد صلي فيه مرة
*الحديث النبوي: " صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بخمسة وعشرين درجة ". قال الشيخ الألباني: "استدلوا بأطلاق أي أنهم فهموا أن (أل) في كلمة الجماعة للاستغراق، أي ان كل صلاة جماعة في المسجد تفضل صلاة الفذ، ونحن نقول بناء على الأدلة السابقة - ذكرها الشوكاني - إن (أل) هذه ليس للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي أن صلاة الجماعة التي شرعها الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحض الناس عليها، وأمر الناس بها، وهدد المتخلفين عنها بحرق بيوتهم، ووصف من تخلف عنها بأنه من المنافقين هي صلاة الجماعة التي تفضل صلاة الفذ وهي الجماعة الأول.: مجلتنا " الأصالة" عدد (٣، ١٤) ١٥ رجب سنة ١٤١٥ ه (ص٩٠ - ١٠١). *الحديث الثاني وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبصر رجلا يصلي وحده فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟، فصلى معه رجل ". والاستدلال به ممنوع، فإن هذا الحديث يدل على تكرار الجماعة التي هي جماعة صورية، فإن الذي فرغ من صلاته، إذا صلى مع من لم يصل صلاته، يكون متنفلا ولم يكره أحد من العلماء، وأما الجماعة الحقيقية، بأن الإمام والمقتدي يجمعون، وهم لم يصلوا قبل ذلك فلا يدل الحديث على جوازها. أعلم أن صلاة الجماعة عبادة في وقت معين فلا تقضى (وقضاءها هنا تكرارها) إلا بأمر جديد، والأمر الأول إنما هو متعلق بالإمام الراتب، ويؤيده هدي السلف وحرصهم على الجماعت معهم. والراجح هو ما ذهب إليه المكرهون ولكن مع تحقق العلة المذكورو حيث تفرقة الكلمة أو تقاعد القوم عن الجماعة الأولى ولا يكون ذلك إلا في مسجد له إمام ومؤذن راتبا. وانظر تفصيل ذلك من خلال الأدلة وأقوال العلماء في هذه الرسالة. وانظر: "المبدع (٢).