للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حكم الإقرار بالقوانين الوضعية]

السؤال

هل الإقرار بالقوانين الوضعية واتخاذها منهجاً وشرعاً مع الإقرار بشرع الله سبحانه وتعالى من القلب ولكن لم يتخذ ذلك فعلاً، هل يعد ذلك كفراً مخرجاً عن الملة، أم هو فسوق؟

الجواب

حقيقة القوانين الوضعية أنها قواعد عامة تطبق، والأصل في تطبيقها على كل الناس، وهذه القواعد العامة تعتبر تشريعات، والتشريع حق لله عز وجل لا يجوز للإنسان أن يدعيه لنفسه، ولا أن يعارض الله عز وجل فيه، فمن شرع شريعة غير شريعة الله مناقضة لها، فهذا لا شك أنه كفر مخرج عن دائرة الإسلام.

والحقيقة: أن الجدل القائم حول مسألة الاستحلال أو عدم الاستحلال ليست واردة في القوانين الوضعية، فصيغ القوانين الوضعية استحلال صريح، وفيها: يجوز أن يعمل كذا وكذا، ولا يجوز أن يعمل كذا وكذا، فهي صريحة في الاستحلال، والأساس العلمي والعقدي في هذا الباب: هو أن القضايا التي توصف بأنها من الشرك الأكبر، والأدلة الشرعية تدل على أنها من الشرك الأكبر لا يصح أن يقال فيها: بأنه لابد أن يستحل؛ لأن الاستحلال شرط في المعاصي، والأصل فيها أنها لا تكفر، والمقصود بالذنوب والمعاصي: ما كان غير الشرك، مثل: الزنا، وشرب الخمر، والربا، واللواط، وعقوق الوالدين، وترك صلة الأرحام، فهذه المعاصي غير مكفرة إلا إذا استحلها، أي: اعتقد أنها حلال، فإذا اعتقد أنها حلال فهذا معارض ومكذب لشريعة الله عز وجل، فيكون الأمر باتفاق الأئمة، أما الأعمال الشركية التي تخرج من الملة فلا يصح أن يقال: إنه يشترط لها الاستحلال.

فلا يصح مثلاً أن يقال في عابد الصنم: لابد أن يستحل حتى يكفر، وعبادة الصنم في حد ذاتها شرك مخرج من الملة، وهكذا القول في مسألة الاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله، والتعبد لغير الله عز وجل، وكل هذه لا يشترط فيها الاستحلال.

لكن هناك مشكلة تقع عند بعض طلاب العلم في مسألة الاستحلال، وأحياناً تكون متعلقة بالمعين، وأحياناً تكون مجردة عن المعين، وإذا بحثناها باعتبارها قضية عقدية مجردة عن المعينين نقول: الأعمال التي توصف بأنها شرك أكبر لا يشترط فيها الاستحلال، لكن إذا ربطت القضية بالمعينين فلا نقول: إنه يشترط فيها الاستحلال، فالمعين إذا تلبس بعمل كفري فإنه لا يكفر حتى توجد عنده الشروط، وتنتفي عنه الموانع.

فمسائل التكفير مسائل دقيقة، ومسائل تحتاج إلى علم، ولا يصح للإنسان أن يتساهل فيها، وأن يكفر، وأن يجتهد في هذه المسائل، وكثير من الناس مع الأسف ليس من أهل العلم، وليس مشتغلاً به، ومع هذا يشتغل بتكفير الناس بألفاظ مجملة، وبطرق غريبة، إلى درجة أنهم وصلوا إلى تكفير أهل العلم وأهل الفضل من المسلمين، ولا شك أن هذا خطير جداً: فإن الإنسان إذا قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما -والعياذ بالله- فإنها إن لم تقع عليه رجعت على القائل، ثم إن الله عز وجل لم يطالبنا بالحكم على الناس وعلى الدول، هل هي كافرة أو ليست بكافرة؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الكفار، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الأشخاص، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ وتتبع الناس بالتكفير ليس من منهج الصحابة رضوان الله عليهم ولا غيرهم، لكن هناك قواعد تضبط هذه المسائل، والمفترض أن يكون طالب العلم بعيداً عن الكلام فيما يتعلق بالمعينين؛ لأن قضايا المعينين حساسة، ويجب علينا أن نحافظ على قواعد أهل العلم في باب التكفير؛ لأن هذه القواعد ليست خاصة بجيلنا، بل هي قواعد عامة تشمل الجيل الذي قبلنا والذي قبله، وتشمل الجيل الذي نحن فيه، وتشمل الأجيال القادمة، لكن المعينين يموتون ويذهبون والدول تسقط وتأتي دول أخرى بدلها، والتصرفات تتغير والناس تتبدل آرائهم وأفكارهم، فلا نعلق قضايا الدين بالمعينين.

وعلى كل حال: فجملة هذه القضية أن الإنسان لا يجوز له أن يتكلم في هذه المسائل إلا بعلم وعدل، ولا يصح له أن يتكلم بالجهل.

وهناك صور وألوان من التصرفات الموجودة الآن في واقعنا مع الأسف، فيها كثير من الغلو والإجحاف على الناس، فبعض الشباب مع الأسف يواجهون رجال الأمن بالقتال، ولا يخافون الله عز وجل في أنهم يواجهون مسلمين، فهذا لا شك فيه أنه من الغلو والإسراف، ولا يمكن لمسلم يخاف الله سبحانه وتعالى أن يستحل دم مسلم آخر ويقتله حتى لو كانت عنده شبهة، ولهذا فالإنسان يكون في مثل هذه الفتن -كما قال أهل العلم- خير ابني آدم، عندما قال أحدهما للآخر: {لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة:٢٧]، فقال له الآخر: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} [المائدة:٢٨]، فقتل المؤمن متعمداً عذابه عظيم جداً: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:٩٣] فالأمر ليس هيناً، بل يعتبر من كبائر الذنوب، فعندما تجد إنساناً ملتزماً ببعض الواجبات الشرعية وبالسنن، لكنه مفرط في باب عظيم وهو

<<  <  ج: ص:  >  >>