للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[آثار الاعتقاد الباطل في باب القدر]

إن آثار هذه العقائد واضحة، فالذين نفوا الإرادة الكونية نفوا القدر بالكلية، فأصبحوا مكذبين بالقدر، ونحن نعلم أن القدر ركن من أركان الإيمان؛ فإن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإيمان قال له: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:٤٩]، فهؤلاء مكذبون بالقدر، ولهذا جاء في بعض الآثار التي صححها بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القدرية مجوس هذه الأمة) يعني: الذين يكذبون بالقدر في هذه الأمة يشبهون المجوس، فإن عقيدة المجوس هي أنهم ينكرون أن يكون لله سبحانه وتعالى كتابة وإرادة لشئون العباد، وإنما يعتقدون أن العباد هم الذين يحدثون أفعالهم، ولهذا قالوا في عقائدهم بأن عندهم إلهين: الإله الأول: النور، والإله الثاني: الظلمة، ويعتقدون أن النور هو الإله الحق، وهو قديم، والظلمة هو الباطل، وهو قديم أيضاً، وأن كليهما يفعلان بغير إرادة الله عز وجل.

والكلام في هذا يطول، لكن الذي يهمنا أن المعتزلة -وهم القدرية- كذبوا بالقدر، وقالوا إن الله لم يكتب أعمال العباد، ولم يردها سبحانه وتعالى.

أما الأشاعرة والصوفية فإنهم -كما سبق أن أشرنا- على العكس تماماً، فلما جاءوا إلى الإرادة قالوا: إن الله عز وجل هو خالق كل شيء سبحانه وتعالى، وبناءً على هذا فيجب علينا أن نهتم بهذا الموضوع، وهو أن الله خالق كل شيء.

فأثر هذا عليهم إلى درجة أنهم أصبحوا يحتجون بالقدر على المعاصي التي يقومون بها.

والسبب هو عدم الكامل في فهم إرادة الله عز وجل الكونية، وإرادته الشرعية، فلمّا جهلوا هذا المعنى ولم يفهموه على صورته الصحيحة وقعوا في هذه المشكلة.

وقد سبق أن قرأنا في هذا الكتاب أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الصوفية الذين غاية مقصودهم من التعبد هو شهود الإرادة الكونية يعظّمون كل مخلوقات الله عز وجل، حتى ولو كان بعضها مما نهى عنه سبحانه وتعالى.

<<  <  ج: ص:  >  >>