للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حذف المبتدأ والخبر]

بقي بحث جديد، وهو حذف المبتدأ والخبر، أي: هل يجوز أن نحذف المبتدأ وأن نحذف الخبر؟ وهل يجوز أن نحذفهما جميعاً؟ بين المؤلف رحمه الله فقال: [وحذف ما يعلم جائز كما تقول زيد بعد من عندكما وفي جواب كيف زيد قل دنف فزيد استغني عنه إذ عرف] هذا البيت في باب المبتدأ والخبر، وهذا الحكم ليس خاصاً بالمبتدأ والخبر، بل حذف كل ما يعلم من المبتدأ، أو الخبر، أو الحال، أو المفعول به جائز إذا كان معلوماً.

ولهذا يعتبر هذا البيت قاعدة، وبه نعرف أن مبنى الكلام على العلم والفائدة.

فقد سبق لنا أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تفد، كعند زيد نمرة، وسبق لنا أنه إذا اشتبه المبتدأ بالخبر فإنه لا يجوز تقديم الخبر.

إذاً فمبنى الكلام كله على الفائدة والعلم، فإذا كان من المعلوم ما يحذف جاز حذفه.

ثم ضرب المؤلف أمثلة فقال: (كما تقول زيدٌ بعد من عندكما).

سأل سائل فقال: من عندكما؟ يخاطب اثنين، فقالا: زيد، فالذي حذف هو الخبر، والتقدير: زيد عندنا.

(وفي جواب كيف زيد قل دنف).

سأل سائل فقال: كيف زيد؟ فقلت: دنف، أي: مريض.

فدنف: خبر لمبتدأ محذوف، فالمحذوف المبتدأ، والتقدير: زيد دنف، أو هو دنف.

وهل يحذف المبتدأ والخبر؟

الجواب

نعم، إذا علم المبتدأ والخبر حذفا، فلو قال لك قائل: أزيد قائم؟ فقلت: نعم.

فالذي حذف المبتدأ والخبر؛ لأن (نعم) حرف جواب وليست جملة، يعني: نعم زيد قائم، فحذف الجزءان.

وأما ما مثل به بعضهم وهو قوله تبارك وتعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق:٤]، لحذف المبتدأ والخبر؛ فإن تمثيله ليس بصحيح، حيث قال: إن التقدير: واللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر، وذلك لوجهين: الأول: نحن لا نسلم أن المحذوف جملة، إذ من الممكن أن نقدر: ((وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ)) كذلك، و (كذلك) ليست جملة إنما هو مفرد، وكلما قل التقدير كان أولى، فلم يحذف فيها المبتدأ والخبر جميعاً.

الثاني: سلمنا جدلاً أن المحذوف هو المبتدأ والخبر؛ لكن هذا المبتدأ والخبر هو في الحقيقة خبر؛ لأن المبتدأ والخبر هنا نائب عن خبر فقط؛ لأن (اللائي لم يحضن) مبتدأ، (عدتهن) مبتدأ ثان، و (ثلاثة أشهر) خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني والخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول.

فالمحذوف حقيقة هو الخبر، فالتمثيل بالآية لا يصح للوجهين اللذين ذكرتهما.

فالمثال الصحيح هو أن يقال: أزيد قائم؟ فيقال: نعم أي: زيد قائم.

إذاً ابن مالك رحمه الله أعطانا قاعدة ومثل بمثالين فقط، مثل بحذف الخبر، ومثل بحذف المبتدأ، ولم يمثل بحذفهما، فهل يقال: إن ابن مالك قصر في ذلك؟ فالجواب: لا؛ لأن المثال إنما يراد به بيان القاعدة، والقاعدة سبقت وهي حذف ما يعلم جائز، فهذا يشمل ما يعلم من مبتدأ أو خبر أو مبتدأ وخبر.