للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[شرح حديث: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا)]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)].

وهذا حديث عظيم رواه مسلم في صحيحه وغيره، وهو حديث عظيم اشتمل على هذه الجمل العظيمة: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) والجزاء من جنس العمل، (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) فالجزاء من جنس العمل، يجازى الإنسان من جنس عمله.

وقوله: (من نفس عن مسلم كربة) يعني: وجده في ضائقة فنفس عليه كربة الدين ودفع عنه دينه، أو أنظره إذا كان يطلبه، أو أعطاه إذا كان معسراً، أو خلصه من شدة وقع فيها، والجزاء: (نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).

وقوله: (ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، من يسر على معسر بأن لم يشدد عليه في اقتضاء الدين، أو يسر عليه في بيعه وشرائه يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) فإذا ستر على مسلم وأخفى فيه عيباً، أو ستره إذا كان من أصحاب العثرات التي وقع فيها، فإذا وقع في زلة نصحه وستر عليه إذا كان من ذوي الهيئات، بخلاف ما إذا كان من المستهترين أو من المجاهرين؛ فإن هذا له حكم آخر، لكن إذا كان من أهل الهيئات ووقع في زلة ثم نصحه وستر عليه ستره الله في الدنيا والآخرة.

وقوله: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، الجزاء من جنس العمل، فإذا أعانه في قضاء دينه، أو أعانه في حمل متاعه، أو أعانه في إصلاح سيارته، أو أعانه في بناء بيته فإن الله يكون في عونه.

وقوله: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده).

وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة تحصل للمجتمعين أهل العلم الذين يتدارسون ويتحلقون في حلق العلم ويدرسون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، تحصل لهم هذه المزايا، نسأل الله أن يجعل مجالسنا تنزل عليها السكينة وتحفها الملائكة وتغشاها الرحمة.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، والمعنى: من كان عمله سيئاً فإن نسبه لا يفيده ولا يرفعه ولا يلحقه بدرجة الأتقياء، فإذا كان عمله سيئاً لا ينفعه النسب، ولو كان من أولاد الأنبياء، ولو كان من الأشراف.

وقوله: (من أبطأ به عمله) أي: أخره عمله لأنه كان سيئاً فإن نسبه لا يسرع به ولا يلحقه مع الأولياء ومع المتقين، فمجرد النسب لا يكفي ولو كان من كان؛ المهم العمل.

قال في تخريجه: إسناده صحيح، وقد صرح سليمان بن مهران الأعمش بالسماع من أبي صالح عند مسلم، وأخرجه الإمام مسلم.

وقوله: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) هذا منطوق، منطوقه: أن من تأخر به العمل لا يلحقه النسب، لكن لو كان له عمل وليس له نسب فلا يضره، فإن النسب ليس له ميزان عند الله، فالإنسان ولو لم يكن له نسب إذا كان عمله صالح فلا يضره.

<<  <  ج: ص:  >  >>