للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حب الالتجاء والاعتصام بالله غريزة وفطرة إنسانية]

من أعراض هذه الغريزة حب الالتجاء، فالإنسان يحب أن يلتجىء، وتلاحظون أن التجار يحاولون أن يعزفوا على هذا الوتر في قلب كل إنسان، فيتكلمون على التأمين، ويقولون: هو حصن حصين وأمان الملايين؛ لأنهم يعلمون أن هذه الغريزة موجودة في كل إنسان، من الشعور بالخوف من المستقبل، والقلق والخوف من الفقر وعلى الأولاد، فلذلك يحاولون أن يستثمروا هذه الفطرة بأن يخدعوا الناس بها، وأنهم سيلبون طلبهم.

إذاً: الإنسان عنده غريزة الالتجاء والاعتصام والاحتماء والدعاء والمناجاة، والاطراح على عتبة القوي الغني الجواد الكريم الرءوف الرحيم، اللطيف الودود المعطي المانع السميع المجيب.

فالصلاة أقرب إلى المؤمن وأكثر إيواءً، وسنذكر إن شاء الله بعض عجائب الصلاة، وهي كثير من القصص وسنقتصر على نماذج قليلة.

هناك أناس من الكفار ولدوا كفاراً وما رأوا الصلاة من قبل، وبعضهم كان يفعل بعض أفعال الصلاة باجتهاد منه، كمن يصاب مثلاً: بمرض نفسي واكتئاب أو غيره، فلا يجد راحته إلا في وضع السجود، ولا يعرف أن هذا جزء من صلاة المسلمين، فهو ما رأى مسلماً يصلي، فلما رأى هذا السجود فوقف مندهشاً مذهولاً فسأل: ماهذا؟ فقيل: هذه صلاتنا، فهو عرف بالفطرة أن هذا السجود تعبير عن الالتجاء والاعتصام والاحتماء وتلبية لنداء هذه الفطرة، وهي فطرة الاحتياج إلى الله سبحانه وتعالى.

إذاً: الصلاة أقرب إلى المؤمن، وأكثر إيواءً وأسرع نجدة وإسعافاً، وأتقى وأحنى وأعطف على العبد المؤمن من حجر الأم الحنون على الطفل الشريد اليتيم الضائع الضعيف العاجز، فهذا الطفل كلما هدد أو أصابه الروع أو الفزع أو مسه الجوع أو العطش آوى إلى أمه، فرمى نفسه في أحضانها أو تشبث بأذيالها، كذلك الصلاة هي أبلغ من هذا بالنسبة للمؤمن، فهي معقل المسلم وملجؤه الذي يأوي إليه، والعروة الوثقى التي يعتصم بها، وهي الحبل الموجود بينه وبين ربه الذي يتعلق به، وهي غذاء الروح، وبلسم الجروح، ودواء النفوس، وإغاثة الملهوف، وأمان الخائف وقوة الضعيف، وسلاح الأعزل، وقد قال الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:١٥٣].

وقال أيضاً: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:٤٥ - ٤٦].

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة.

وقال أيضاً: إن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر.

<<  <  ج: ص:  >  >>