للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[مقام الصبر وأنواعه]

ثم ينتقل بعد ذلك إلى مقام الصبر بأنواعه الثلاثة، وهي مجتمعة فيمن يطيع الله في فترات الشدة والمحن؛ لأن الصبر: صبر على الطاعات، وهو أعلى أنواع الصبر.

وصبر عن المعاصي وحبس النفس عنها.

وصبر على أقدار الله المؤلمة.

والإنسان قد تصيبه أشياء مؤلمة على أي الأحوال، فالحياة لا تخلو من الألم، فمنذ نزول آدم عليه السلام والإنسان يشقى، كما قال عز وجل: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه:١١٧] هي الدنيا ضنك، وألم لابد منهما، ولكن من الناس من يجري عليه الألم وهو في معصية الله.

وهناك من يجري عليه الألم بغير طاعة ولا معصية، وإنما هي مصيبة تصيبه.

وهناك من يجري عليه الألم وهو من الكفار فتصيبهم آلام يعذبون بها وهم في الكفر والعياذ بالله، أترون مثلاً من يحاربون المسلمين في كل المشارق والمغارب، ألا يصيبهم من الجراح والقتل والمتاعب والشقاء الشيء الكثير؟ ومع ذلك فهم على ما هم عليه من الكفر.

يقول لي أحد الإخوة: كنت أعرف رجلاً من قبل شهر ونصف في كمال القوة والعافية، وكان من عادته أن يظلم كثيراً من الناس فيقول: مررت به الأسبوع الماضي وقد أصيب بورم سرطاني، فأُخذت حنجرته كلها، وأصبح في هزال شديد، وهذا كله في خلال شهر ونصف فقط.

وهكذا أي إنسان، حتى لو كان إنساناً طيباً وعلى حاله ولا دخل له بشيء فإنه يصيبه المرض، فمن ذا الذي لا يصيبه المرض؟ بل قد يقوم الواحد من النوم فيجد شيئاً يؤلمه، فالآلام لا بد أن توجد.

لكن هناك من يجيء له الألم بسبب طاعته لله سبحانه وتعالى، وهذا في الحقيقة في حلاوة.

وأنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة مجتمعة فيمن يطيع الله عز وجل في فترات الشدة؛ لأن الطاعة أثناء الشدة تحتاج إلى صبر مضاعف، فالكل يريد أن يبعدك عن الطاعة، وقد يقال لك: ابتعد عن هذه الطاعة حتى تسير حياتك بسهولة، لا والله! الحياة لا تسير بسهولة بغير طاعة، وإن ظن الناس أنهم يعيشون حياة سهلة.

وانظر إلى متاعب الناس الذين ابتعدوا عن الإسلام، وابتعدوا عن الدين: هل يعيشون حياة سهلة أم ضنكا؟ والله أنهم يعيشون حياتهم في ضنك وشقاء بأنواعه حتى الأغنياء منهم، وحتى الملوك والرؤساء والكبراء، وحتى السادة المبرزين والمشهورين، فإن حياة الضنك لا تفارقهم كما توعد الله عز وجل فقال: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:١٣٢ - ١٢٦].

ولو لم يكونوا في ضنك فلماذا يشربون الخمر؟! ولماذا يدخنون المخدرات؟! ولماذا يريدون أن يسيحوا في الأرض وينطلقوا بحثاً عن اللذات؟! فلو أن هذا الإنسان سعيد لما بحث عن مصادر السعادة الأخرى، ولما أراد أن يغيب عقله بالمسكرات أو المخدرات.

فشعوب الغرب والشرق لا تستغني عن الخمر لحظة، ولابد أن يشربوها كل يوم، فشرب الخمر عندهم كشرب الماء عندنا، والمرفهون عندنا يضعون المياه الغازية، وعندهم يضعون الخمرة، حتى في احتفالاتهم وبروتوكولاتهم فلابد من الخمرة، فلا يستغنون عنها، فلو أنهم سعداء في حياتهم فلماذا يشربونها؟! ولماذا يريد الإنسان أن يغيب عنه العقل؟ لماذا يريد أن يعيش في حياة أخرى غير التي يعيشها؟

الجواب

لأنه تعيس في حياته، وانتشرت فيهم المخدرات بأنواعها المختلفة وهم الذين يصدرونها لنا، ويسعون في نشرها للناس.

فمن أراد النزهة الحقيقية فليذهب للصلاة أو العمرة، أو ليصم يوماً، أو ينفق في سبيل الله، أو يطعم مسكيناً، فسيحس بفسحة فعلاً في صدره، لأن الانشراح والضيق شيء في داخل قلب الإنسان قبل أن تكون من خارجه؛ ولذلك سوف يستريح بهذه الأعمال، وربما كان يراه الناس في ضيق، فضلاً أن أكثر شعوب الأرض تعيش في ضيق دنيوي أيضاً، فوعد ربنا: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:١٢٤] والعياذ بالله من ذلك.

ولذلك نقول: إن الصبر على الطاعة في فترات الشدة يكون أعظم؛ لإنك تجد الناس يقولون: ابتعد عن الطاعة حتى تعيش حياة سهلة، وهم لا يعيشون أيضاً حياة سهلة، ولكن أكثر الناس يستجيبون لذلك، فلذلك كان الصبر على الطاعة في فترات الشدة أهم وأوجب وأعظم.

أما الصبر عن المعاصي فالكل يدعوك إلى المعاصي، وانتشار الفساد يجعل المعصية سهلة، ويجعل المعاصي في متناول كل إنسان.

فإذا أراد شاب مثلاً أن ينال من فتاة شيئاً، فهل يصعب ذلك عليه في وسط هذا الكم الهائل من المعاصي؟! ولذلك فالصبر في هذا المقام أعظم من الصبر عن هذه المعصية في مجتمع مسلم كل الفتيات فيه محجبات، والرجال فيه رجال يمنعون نساءهم من الاختلاط المحرم الفاسد، ويمنعون بناتهم وأخواتهم من ذلك، والمجتمع كله يذم من يزني، ويذم من ينظر، ويذم من يعاكس ويتوعده بالعقاب، أي الصبرين أعظم؟ مع أنه لو صبر في المجتمع المسلم وهو مأمور بالصبر لكان ثوابه عظيم، فكيف لو صبر في وسط الفساد المنتشر في الأرض، والمبثوث في كل مكان الذي يسهل معه أن ينال ما يريد إذا لم يتقِ الله سبحانه وتعالى؟ أما الصبر على أقدار الله المؤلمة فإنما يعيبه بسبب طاعته؛ لأنه يتوعد ويخوف كما قال تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [الزمر:٣٦] وقد يصيبه من ذلك ما يصيبه، ويحتسب عند الله سبحانه وتعالى، ويصبر ويكون بذلك قد حصل أعظم أنواع الصبر قال تعالى: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا} [الأعراف:١٢٨].

فإن الله سبحان وتعالى يورث الله سبحانه وتعالى الأرض لعباده المتقين، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:٢٤] فاليقين بوعد الله سبحانه وتعالى، والصبر على دينه في فترات الشدائد، كل ذلك من أعظم الواجبات، واليقين بوعد الله من أعظم مقامات العبادة والإيمان، فتوقن: {إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [الأعراف:١٢٨] وتوقن أن العاقبة للمتقين، فلا تغتر بما ترى من بدايات؛ وأن الموازين لصالح أهل الكفر، وأن القوة في العالم بأسره بأيدي المشركين، فوالله أن ذلك اختبار لك؛ لكي تستحضر ما أخبر الله سبحانه وتعالى به من أن المؤمنين هم المنتصرون، وتتذكر ذلك لتزداد يقيناً بوعد الله، هذه الآية الكريمة من المبشرات، قال تعالى: {إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:١٢٨]، وقد قال عز وجل في معنى هذه الآية آيات كثيرة لكي نستيقن بوعد الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦].

((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ)) أي: في جنس الكتب المنزلة على الأنبياء وهي الكتب التي تزبر، أي: -تكتب- ((مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ)) أي: من بعد الكتابة في اللوح المحفوظ: ((أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)).

إذاً: فعليك أن تحقق الصلاح، وتجتهد في العبودية لكي تكون ممن يرث الأرض: (إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين) إذاً: فنحتاج في هذا المقام إلى الاجتهاد في العبادة، إلى أن نكثر من الصلاة والصيام والدعاء والتضرع لله سبحانه وتعالى، وخصوصاً إذا خوفت كما قال عز وجل: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:١٧٣ - ١٧٥] ولذلك أنت تحتاج إلى أن تتبع رضوان الله، فافعل ما يرضي الله، وأكثر من الطاعة، وأكثر من العبادة، ومن الذكر، ومن الدعاء فإن ذلك من أعظم ما يعينك على الثبات على دين الله سبحانه وتعالى.

ومن أعظم ما يحتاج إليه المؤمن في الإعانة على الثبات كذلك: أن يكون مع إخوانه في الله، يوثق علاقته بهم، ويتعاون معهم على نصرة الدين وإقامة شرع الله سبحانه وتعالى في الأرض ولا يبتعد عنهم.

فنحن كركاب السفينة الكبيرة التي غرقت وبقيت قوارب نجاة يجتمع فيها بعض الركاب، وأسماك القرش في البحر المتلاطم الأمواج تحيط بقوارب النجاة من كل جانب وتنهش في جوانبه، وهي قوارب ليست كالسفينة في شدتها بل هي مطاطية، فأسماك القرش ربما تأخذ من جوانبها وتفزع كل من فيها، ومع ذلك أتظنون أن عاقلاً يقول: إن أسماك القرش تحيط بالقارب فسأنقذ نفسي بإلقائها في البحر، أيكون مثل هذا عاقلاً؟! فهذا الذي يلقي بنفسه إلى أسماك القرش ويترك قارب النجاة الوحيد لا شك أنه هالك.

وأما العاقل فهو يسعى إلى سد ثغرات القارب، ونزح المياه التي تأتي إليه من البحر، وهناك أشياء يأتي منها الخطر فلا بد أن نسدها، ولا بد أن نتعاون على حفظ القارب سليماً.

المجتمع الذي كان في يوم من الأيام مجتمعاً مثالياً يعيش الناس فيه بالإسلام منذ مئات السنين غرق تدريجياً إلى أن صار بعيداً عن حقيقة الالتزام بالإسلام، وبقيت فيه قوارب النجاة وهي من يدعو إلى الله عز وجل من أهل المساجد، ومن أهل الخير، وممن يسعون إلى إقامة دين الله فهؤلاء هم قوارب النجاة، وأسماك القرش التي من حولك هم دعاة الفتن الذين يقولون لك: ابتعد عن هؤلاء