للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[صلاة الاستسقاء]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث صلاة الاستسقاء: وإذا أحدبت الأرض واحتبس القطر خرج الناس مع الإمام متخشعين متبذلين متذللين متضرعين].

هذه هي السنة في صلاة الاستسقاء، أي: أنها تكون على هذه الحال، بأن يخرجوا متبذلين لابسين ثياباً رثة، وليس كيوم العيد، أي: يلبسون الثياب الجميلة؛ لأن هذا المقام مقام خضوع وذل وانكسار بين يدي الله، فيلبس الثياب العادية، ولا يتطيب ويتصدق قبل ذلك إذا أمكن.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ثم يخطب بهم خطبة واحدة، ويكثر فيها من الاستغفار وتلاوة الآيات التي فيها الأمر به].

هذه هي السنة، أي: أن يصلي بهم ركعتين، ثم يخطب خطبة واحدة يكثر فيها من الاستغفار والآيات التي فيها الأمر بالاستغفار والتوبة، كقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح:١٠ - ١١]، وقوله تعالى عن هود: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا} [هود:٥٢].

فهذه خطبة واحدة وليست كالعيد خطبتان، وقد جاء ما يدل على جواز الخطبة قبل الصلاة وبعدها، فجاء ما يدل على هذا وهذا، لكن الآن أصبحت تقدم الصلاة على الخطبة، وإن قدمت الخطبة على الصلاة فلا حرج في ذلك، وخطبة الاستسقاء لا يوجد سلام في أولها كخطبة الجمعة، وإنما يبدأ بالخطبة مباشرة.

والسنة افتتاح الخطبة بالحمد لله، وكذا خطبة العيد والاستسقاء والجمعة فكلها تفتتح بالحمد لله، ولم يأت التكبير في خطبة العيد إلا عن بعض الصحابة، ولم يثبت في ذلك حديث.

والسنة في وقت صلاة الاستسقاء أول النهار بعد طلوع الشمس.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحول الناس أرديتهم].

يحولون أرديتهم تفاؤلاً في تغيير الحال؛ حتى يغير الله ما بهم من الجدب والقحط إلى المطر والغيث والرحمة، والإمام يحول رداءه بعد الخطبة، ثم يدعو بعد ذلك.

ولا ينبغي للإمام أن يجلس، بل ينبغي له أن يدعو بدعوات، ويؤمن على الدعاء.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا، ويؤمروا أن ينفردوا عن المسلمين].

إذا كان في البلد أهل ذمة -من يهود أو نصارى- يدفعون الجزية فلا بأس أن يخرجوا معهم؛ لأن المشركين من اليهود والنصارى يخيرون بين الإسلام وبين دفع الجزية وبقائهم على دينهم، أو القتال، فإذا رضوا أن يدفعوا الجزية فيبقون على دينهم، ويكونون تحت حماية المسلمين، أما الوثنيون فليس لهم إلا الإسلام أو السيف، كالمجوس وغيرهم.

فإذا كان في البلد أهل ذمة من يهود أو نصارى وأرادوا أن يستسقوا فلا يمنعوا، ولا يكون لهم يوم خاص، بل يكون في نفس اليوم الذي يستسقي فيه المسلمون.

قوله: ويؤمرون أن ينفردوا عن المسلمين، أي: يكونون في مكان خاص، فأما أن يختاروا يوماً آخر فلا؛ لأنهم قد يمطرون في اليوم الذي استسقى فيه أهل الذمة فيحصل لهم فتنة، فلا ينفردون بيوم غير اليوم الذي يستسقي فيه المسلمون، لكن في نفس اليوم ينفردون في مكان خاص.

فإن إجابة الدعاء للكافر المضطر مما توجبه الربوبية، إذا كان له ضرورة، كما أن الله يخلق المؤمن والكافر، ويرزق المؤمن والكافر، فهذا من الرزق الذي يرزقهم الله، ولكن الفرق بين المسلم والكافر: أن الكافر إذا أجيبت دعوته قد تكون فتنة ومضرة عليه بالاستدراج؛ لأن كفره وفسوقه يقتضي ذلك.