للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[تلبيس الشيطان على الخوارج]

قوله رحمه الله: (وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجه عن كثير من الشرائع) وجواب (إذا) الشرطية يحتمل أنه سيأتي، أو أنه مقدر، أي: إذا كان الإسلام الذي هو دين الله قد اعترض الشيطان كثيراً ممن ينتسب إليه فغيره من باب أولى أن يعترضهم الشيطان.

فالشيطان قد اعترض كثيراً ممن ينتسب إليه حتى أخرجهم عن كثير من الشرائع، بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية، وهم الخوارج، فالخوارج من أعبد الناس، فقد كانوا رهباناً في الليل وأسوداً في النهار، فيصلون الليل، ويصومون النهار، وهم شجعان في الجهاد، فأخرجهم الشيطان عن كثير من شرائع الإسلام فكفروا المسلمين بالمعاصي، وقالوا: من فعل الكبيرة كفر، فمن زنا كفر، ومن سرق كفر، ومن شرب الخمر كفر، فهذا من إخراج الشيطان لهم عن شرائع الإسلام، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم؛ لأنهم مارقون من الدين.

والمارقون: هم الخارجون بسرعة، فهم يخرجون منه بسرعة، وقد قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فالسهم حينما ترمي به فإنه يخرج بسرعة من الرمية، فكذلك هؤلاء فإنهم خرجوا بسرعة من الإسلام، ففي الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وابن مسعود، وهؤلاء سبعة رضي الله عنهم وأرضاهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم) أي: أنك إذا رأيت كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم لرأيت عبادتك قليلة بالنسبة إلى عبادتهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)؛ لأنهم لا يعملون به، ولا يعملون بالسنة التي هي وحي من الله، ولو تدبروا القرآن وتأملوه ما كفروا المسلمين، ثم قال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم)، أو قال: (أو فقاتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وفي رواية: (شر قتيل تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوه).

أي: أن مقتولهم شر قتيل، والذي يقتلونه هو خير قتيل، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوي لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم) أي: من الأجر والثواب، وما زوي أي: ما أخفي لهم، (لنكلوا عن العمل) أي: لاكتفوا بهذا الأجر.

<<  <  ج: ص:  >  >>