للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[إذا لم يؤذن للمرء فهل يجوز له أن يبقى أمام الباب]

هناك استنباط دقيق جداً في غاية الروعة للإمام أبي بكر الجصاص الحنفي رحمه الله تعالى، حيث قال: إن قول الله تبارك وتعالى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور:٢٨] لا يتعرض لتحريم الدخول إلا بإذن؛ لأن الآية السابقة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:٢٧] قد نصت على أنه يحرم على الإنسان أن يدخل إلا بإذن، فهو يبين أن قوله تعالى بعد ذلك: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور:٢٨] لا علاقة لها بمسألة تحريم الدخول إلا بإذن؛ لأنّ هذا قد سبق الإشارة إليه، وإنما يؤسس حكماً جديداً، ولا يؤكد الحكم السابق.

فما هو هذا الحكم الجديد؟ ما الواجب على من قيل له ارجع؟ يجيب على ذلك قوله تعالى: (فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: أنه يجب عليه أن يرجع في الحال، ولا يفتح حواراً، ولا يلح.

قال الإمام الجصاص رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) بعد قوله: (فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ)، يدل على أن للرجل أن ينهى من لا يجوز له دخول داره عن الوقوف على باب داره أو القعود عليه؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ)، ويمتنع أن يكون المراد بذلك حضر الدخول إلا بإذن؛ لأن هذا المعنى قد تقدم ذكره مصرحاً به في الآية، فواجب أن يكون لقوله: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) فائدة مجددة، وهو أنه متى أمره بالرجوع عن باب داره وجب عليه التنحي عنه؛ لئلا يتأذى به صاحب الدار في دخول حرمه وخروجه، وفيما ينصرف عليه أموره في داره مما لا يحب أن يطلع عليه غيره.

فهذه مسألة مستقلة عن موضوع الاستئذان، فالواجب على من قيل له: ارجع، أن يرجع، وبالتالي يحرم عليه أن يفعل أي شيء من الأشياء التي ذكرناها.

أما ما ذكرناه من أنه لا يجوز له أن يقعد على الباب وينتظر، فلا يرد عليه أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يأتي باب الأنصار لطلب الحديث، فيقعد على الباب حتى يخرج صاحب البيت، ولا يستأذن، فإذا خرج الرجل قال: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم! لو أخبرتني؟ فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم.

فـ ابن عباس ما كان يستأذن، والكلام هنا فيمن استأذن ولم يؤذن له، أو قيل له: ارجع، أما ابن عباس فكان يأتي ويجلس عند باب من يطلب منه الحديث، وتسف الرياح في وجهه التراب، وإذا خرج صاحب البيت للصلاة مثلاً سأله وطلب منه الحديث، فكلامنا فيمن استأذن فلم يؤذن له صراحة أو ضمناً.