للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الحرب العالمية ضد المرأة المسلمة وطرق التخلص منها]

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد: فنعود إلى موضوع القضايا التربوية التي سبق أن شرعنا فيها منذ مدة، وقد توقفنا عند مسئولية الرجل عن حماية الأسرة.

فقد قرر الإسلام مكانة عظيمة للأسرة، ويتجلى ذلك في اهتمام الشريعة الإسلامية بشئون الأسرة سواء في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما تضمن من أحكام الزواج والرضاع والطلاق والإرث ونحو ذلك.

واستطاعت الأجيال المتعاقبة أن ترسخ معاني إسلامية عميقة في الأسرة في مجتمعاتنا، وأحس أعداء المسلمين -وهم يحاولون هدم هذه الأمة- صلابة هذه اللبنات وقوة هذا الحصن، ومن أجل ذلك كان هجومهم في الأزمان الأخيرة مركزاً على الأسرة، فاستخدموا كل القوى التي يمكن أن تصل إليها أيديهم وما أكثرها! {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:٣٠].

فمن هذه الأساليب: سن القوانين التي تفكك الأسرة في كثير من بلاد المسلمين.

ومن ذلك أيضاً: شن الحملات على الأسرة عن طريق الفن، بواسطة وسائل النشر والإعلان من قصص ومجلات وصحف وإذاعة وتلفزيون ومسرح وسينما، وما زالوا في طريقهم ماضين.

احتفل هؤلاء بمرور مائة سنة على تحرير المرأة الذي بدأه قاسم أمين منذ قرن كامل، وبعد قرن كامل من هذه الثورة الانقلابية على دين الله سبحانه وتعالى من هذا الرجل نرى الآن حصادها وشؤمها وثمراتها المريرة، وكيف أنها بدأت ناعمة هادئة يدعي صاحبها أنه يريد تطبيق كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن المسلمين هم الذين يسيئون فهم النصوص إلى آخر هذه الأحابيل والحيل، وانتهت بالاحتفال الذي أقيم بمرور مائة سنة على تحرير المرأة -بزعمهم- وتكلم -لا أقول: ناقصات العقل والدين- ولكن عديمات العقل والدين من التلميذات التاريخيات لـ قاسم أمين ودعوته المشئومة.

فامرأة من لبنان تجهر وتقول: أنا ملحدة وأفخر بأني ملحدة! وترفض أن توصف بأنها مسلمة.

وتقول نوال السعداوي في رسالة للمؤتمر: ينبغي أن نتحدى إرادة الله والعياذ بالله! ومثل هذا مما لا يسوغ نقله وحكايته، وإن كانت حكاية الكفر ليست كفراً، فهذا من حصاد هذه الدعوة المشئومة للتمرد على أحكام الشريعة فيما يتعلق بالأسرة والمرأة.

وهذه الحملات مصدرها أعداء الدين، وقد يدعم هذه الحملات سيطرة النزعة المادية على سواد الناس، وانشغال الناس بجلب المال والكسب والرزق يجعلهم لا يلتفتون إلى خطر هذه الأشياء؛ لأنهم في شغل شاغل عن إدراك ما يحاك لهم.

الأسرة المسلمة كانت مستهدفة من قبل أعدائها، وأصبحت الآن مهددة من قبل أصحابها المسئولين عنها، فنحن دائماً نلقي اللوم على الآخرين من أعداء الدين الذين بالفعل يحاربون الإسلام، لكن ننسى أن أصابع الاتهام ترتد إلينا نحن أنفسنا في كثير من الأحيان! فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وقال في الحديث نفسه: (والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته)، وكلمة (مسئول) أصبح لها معنىً عرفياً عند الناس، تعني: موظف في مكان معين، أو شخصية رسمية مسئولة، وننسى المعنى الحقيقي لكلمة مسئول، فإن معناها: أنه سوف يسأل أمام الله، فكلمة (مسئول) تشير إلى هذا المعنى العظيم والخطير، وهو: أن العبد مسئول بين يدي الله سبحانه وتعالى ومحاسب.

فحينما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته)، لا يتصورن الأب أن الزوجة والأولاد يملكهم كما يمتلك العبيد أو كما تمتلك الأشياء، فيظن أن له أن يقصر أو لا يقصر، ويتصرف كما يشاء، يضرب يسيء يهين يفعل ما يشاء، لا، بل عليه أن يدرك أنه ممتحن ومبتلى بهذه الولاية وهذه المسئولية، وأنه سوف يحاسب أمام الله سبحانه وتعالى عن كل سلوك مع أهل بيته من زوجة وأولاد.

فأمر مهم جداً أن يفهم معنى: (مسئول عن رعيته) وهذا هو لب القضية التي نتناولها؛ لأننا بصفة أساسية نخاطب الرجل الوارث باعتبار أن: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:٣٤].

ومن أبرز مظاهر هذه القوامة: أن يقوم الرجل بواجباته الأدبية والتربوية والمادية وغيرها نحو هذه الرعية التي ولاه الله سبحانه وتعالى عليها.

معنى (مسئول عن رعيته): أنه سيقف أمام الله سبحانه وتعالى، وكما سيحاسب على الصلاة والزكاة والصيام وغيرها فإنه سيحاسب عن تصرفاته وسلوكه تجاه أهله وأولاده.

ولم يهمل الإسلام الجناح الآخر في العملية التربوية، خاصة وأن المرأة في بعض المراحل تكاد تستبد بالعملية التربوية خاصة في المراحل الأولى في فترة الرضاعة وما بعدها من الحضانة؛ لأن الطفل يكون شديد الالتصاق بها، وهذه المرحلة أخطر، وهناك أحكام شرعية تشير إلى تخصيص الأم بالحضانة عند انفصال الزوجين، وغير ذلك من الأحكام التي تركز في المراحل الأولى على الأم، كما قال الشاعر: الأم مدرسة إذا أعددتها أعدت شعباً طيب الأعراق فالنبي عليه الصلاة السلام لم يهمل ولم يغفل هذا الركن الرئيس في التربية، فقال عليه الصلاة والسلام في نفس الحديث: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، فالأم أيضاً مسئولة أمام الله سبحانه وتعالى عن هذه العبادة الخطيرة، وهي: حسن رعاية أولادها وزوجها وبيتها.

فعلى كل أب وأم أن يستشعرا هذه المسئولية نحو الأسرة، وأن ينتقل هذا الموضوع إلى دائرة الاهتمام، فيصبح شيئاً نلفت النظر إليه، وننتبه إلى خطره، وإلى عظيم أثره في مستقبل هؤلاء الأولاد، بل في مستقبلنا نحن حينما نحاسب أمام الله سبحانه وتعالى في الآخرة.

فلفت النظر إلى الاهتمام بهذه القضية وخطرها هو أول خطوة على الطريق الصحيح، ونحن الآن ينطبق علينا قول الشاعر: تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد فالتيار العام في زمن الغربة الثانية يهدم في كل مكان، ونادراً ما تجد شيئاً يبني، فالمدرس يَهدم ويُهدم وكذا الأبوان ووسائل الإعلام شلة الأصدقاء المجلات الجرائد الأجهزة المرئية والمسموعة وهكذا! فمعظم العوامل المؤثرة عوامل هدامة في زمن الغربة الثانية، وقد رجع الإسلام غريباً كما بدأ غريباً.

فلا شك أن هناك خطراً داهماً ماحقاً يهدد كياننا، والأسرة هي القلعة الأخيرة التي يمكن نجاتها من هذه السهام وهذا التهديد، فآخر قلعة يمكن أن يتحصن بها المسلمون ويحافظوا على أولادهم هي الأسرة.

نرجع بذاكرتنا إلى عقود كثيرة من الزمان أكثر من خمسة وسبعين سنة، فالحكم الشيوعي في الجمهوريات الإسلامية انتهبها وسرقها تحت ما يسمى بالاتحاد السوفيتي الهالك المفكك، ونستغرب الآن حينما تحررت نسبياً كثير من هذه الجمهوريات، من هذا الدب الأحمر؛ كيف استطاع هؤلاء أن يحافظوا على هويتهم وعلى عقيدتهم في ظل الحرب الإلحادية المركزة ليل نهار!! نجد أن الأسرة هي الكيان الوحيد الذي صمد خلال هذه الفترة سواء في فترات الحكم الشيوعي في هذه الجمهوريات الإسلامية السابقة أو في أوروبا في البوسنة والهرسك وكوسوفو، فالمعقل الوحيد المتبقي على ضعفه هو الأسرة، حتى كانوا يبنون غرفاً تحت الأرض يخفون فيها دينهم، ويعلمون الأولاد الصلاة والقرآن تحت الأرض، ولو علم الشيوعيون بذلك لكان جزاء الأبوين القتل، وأي إنسان يعلم الناس اللغة العربية أو القرآن أو يتكلم بمعنى الإسلام أو يضاد الدعوة إلى الإلحاد وإنكار وجود الله كان جزاؤه القتل في أبشع مجازر وجرائم شهدتها الإنسانية على أيدي هؤلاء الشيوعيين.

فكانت القلعة الحصينة هي الأسرة، فأكثر شعوب العالم الإسلامي غزيت بما يهدد عقيدتها في عدة مجالات، ولا شك أن أخطر المجالات على الإطلاق هي مناهج التعليم، غزينا في الأسواق في المتاجر في المصانع في وسائل الإعلام في أدوات تكوين الرأي العام.

ليس هذا فحسب، بل حيل في كثير من بلاد المسلمين بين الدعاة العاملين وبين الناس بعد تشويههم بأنهم متطرفون وأنهم رجعيون إلى آخر هذه القائمة من المصطلحات التي ما أريد بها إلا أن يصد الناس عن دين الله سبحانه وتعالى.

فلم يبق لهذه العناصر في كثير من البلاد إلا مجال الأسرة، وبقيت هي المنطلق الوحيد لهؤلاء الدعاة، فلا ينبغي أن نلقي اللوم دائماً على الأعداء ونبرئ أنفسنا، بل كثير منا يتحمل من هذا الأمر أكبر نصيب من المسئولية؛ لأنه باستطاعتنا أن نغير في داخل الأسرة التي لا سلطان لأحد عليها بالإكراه، فإذا تبوأ الأب المسلم والأم المسلمة موقعهما التربوي داخل الأسرة فإنهما ما زالا قادرين على بناء سياج يحمي أولادهم من الأخطار في خارج البيت والأسرة.