للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[شرح حديث: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب)]

قال: [حدثني أحمد بن عمر بن حفص الوكيعي حدثنا محمد بن فضيل -وهو محمد بن فضيل بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي - حدثنا أبي -وهو فضيل - عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أم الدرداء] وهذه هي أم الدرداء الأوصابية، واسمها جهيمة وقيل: هجيمة، إما بتقديم الجيم أو بتقديم الهاء.

[عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثله)].

يعني: يقيض الله عز وجل ملكاً من ملائكته عند رأس الداعي إذا دعا لأخيه بظهر الغيب -وهذا شرط- لأنه أبلغ في الإخلاص والتجرد، ومن أغلق عليه بابه ثم دعا لإخوانه واستغفر لهم فلا شك أن هذا مبعثه الحب في الله عز وجل والإخلاص لهذا المدعو له، ولما كان الجزاء من جنس العمل، فإن الله يكافئه بأن يقيض له ملكاً من ملائكة السماء يقول: ولك مثله.

ولما علم السلف رحمهم الله تعالى ورضي عنهم قيمة هذا الدعاء انشغلوا به جداً، وكان الواحد منهم إذا أراد لنفسه شيئاً دعا بهذا الشيء لإخوانه؛ حتى يؤمن الملك على ذلك، ثم يجعل له حظاً مثل حظ إخوانه، فكان الواحد -مثلاً- إذا أراد الزواج دعا في ظهر الغيب: اللهم زوج أخي.

حتى يقول الملك: آمين ولك بمثله.

وإذا كان بحاجة إلى شيء ما دعا لإخوانه بهذا الشيء في ظهر الغيب؛ حتى يقيض الله تعالى له ملكاً يقول: آمين ولك بمثله.

وهذا احتيال مشروع، أو هو شدة الإلحاح على الله عز وجل بجميع الطرق، فبعد أن دعا لنفسه مباشرة ولم ير نتيجة فإنه يدعو لإخوانه، ثم إن الملك الذي وعد به النبي عليه الصلاة والسلام يقيض ويقول: آمين ولك بمثله.

أي: استجيب الدعاء لأخيك في ظهر الغيب وسيرد إليك.

وهذا الدعاء إذا دعوت لرجل واحد، أو لجماعة من المسلمين، أو للمسلمين عامة؛ لأن كل فرد من المسلمين هو أخ لك، والحديث يقول: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه).

وسواء كان هذا لفرد أو جماعة، فالأمة كلها إخوة، وكما في الحديث: (وكونوا عباد الله إخوانا).

والأمر هنا لكل مسلم.

[حدثنا إسحاق بن إبراهيم -وهو المعروف بـ ابن راهويه - أخبرنا النضر بن شميل حدثنا موسى بن سروان المعلم حدثنا طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: حدثتني أم الدرداء قالت: حدثني سيدي]، وسيدها زوجها أبو الدرداء، والسيد في اللغة هو البعل والزوج، وهو الحر، ولما تقرأ في ترجمة أم الدرداء تجد أنها ما كانت تقول قط لزوجها إلا يا سيدي، وهذا الأمر ليس عجيباً، وخاصة إذا كان من امرأة متربية مؤدبة، ومن بيت محترم، وقد كان عندنا إلى قبل زمن قريب كل زوجة تقول لزوجها: يا سيد فلان، وإذا نادته باسمه كسر رأسها؛ لأن هذه حقوق مستقرة، وتعارف عليها الناس.

وأما هذا الوقت فإن الواحد مضطر لأن يقول لامرأته: سيدة فلانة! وإلا اشتكت به، وقالت: إنه يهينها إذا ناداها باسمها، مع أنها تناديه باسمه، وتقول: إن هذا ترخيم، أي: أن هذا ترخيم له عندما تناديه باسمه، وإذا كان اسمه بطيخ مثلاً فإنها تناديه: يا بطيخ! أمام الناس كلهم.

[قالت -أي: أم الدرداء - حدثني سيدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله)].

وكلمة (الموكل به) فيها إشكالية، وهي هل هذا الملك الموكل بهذا الشخص يمشي معه دائماً في حله وترحاله وفي خلوته وجلوته وإلا هو ملك مخصوص ينزل للدعاء أو حين الدعاء؟ القول فيه على مذهبين عند أهل العلم، والراجح: أنه الملك الموكل.

أي: المصاحب للعبد دائماً.