للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الجمع بين حديث فداء المسلم بالكافر يوم القيامة، وقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)]

أورد الإمام مسلم هذه الأحاديث المتعلقة بمغفرة ذنوب المسلمين الموحدين، وأنهم يأتون بأمثال الجبال من الذنوب، والله تعالى يغفرها لهم، ويضع هذه الذنوب على اليهود والنصارى.

وظاهر هذه النصوص فيه إشكال، وليس كل نصوص الشرع يفهمها كل مكلف، ولو كانت نصوص الشرع يفهمها كل مكلف لما أمرنا الله بسؤال أهل العلم، فكل واحد يقرأ في الكتاب والسنة فيفهم لوحده، لذا فإن الله تعالى يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:٤٣] أي: بالبينات الواضحات أو بالمشتبهات.

ولو اعتبرنا أن هذا النص من المشتبهات فإن فيه إشكالاً، وهو أن ربنا يقول: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:١٦٤]، وفي نفس الوقت يجعل ذنوب المسلمين يوم القيامة على اليهود والنصارى، ويجعل فكاك كل مسلم من النار برجل كافر، والأصل أن الكافر لا يعذب إلا بذنبه، ومعنى هذا الحديث مرتبط بما صح عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لكل أحد منزل في الجنة، ومنزل في النار) ولفظ (أحد) عام يشمل المسلم والكافر.

والله لما خلق الخلق جعل لكل مخلوق مكان في النار، ومكان في الجنة، فإذا أسلم العبد وجاء بالعمل الصالح فإنه بفضل الله تعالى يغفر الله له ذنبه، ويعطيه مكان ذلك الكافر الذي كان قد أعده له في الجنة، فالمسلم له مكانان، والكافر له مكانان، فالمسلم أخذ مكانه الذي أعد له سلفاً في الجنة، وأما مكانه الذي أعد له في النار فإنه لا يدخله؛ لأنه قد آمن، ووحد الله عز وجل، وعمل الصالحات، ولو عمل السيئات فإنه سوف يدخل مكانه الذي أعد له في النار أولاً، ويعذب فيه، ثم يخرج إلى المكانين في الجنة.

وأما الكافر فقد أعد له مكان في الجنة، والكافر لا يدخل الجنة أبداً، ومكانه الذي أعد له في الجنة يكون للمسلم، فهذا هو معنى الفكاك والخلاص، فإن لكل أحد منزل في الجنة ومنزل في النار، فمن اختار الإيمان والصلاح فإنه يحصل على المكانين في الجنة، ومن اختار الكفر والجحود والنكران فإنه يحصل على المكانين في النار.

وأما تسمية النبي عليه الصلاة والسلام الوضع بمعنى الفكاك والخلاص؛ فهو من باب المجاز.