للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[تفسير قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)]

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

قال الله عز وجل في سورة الشورى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:٣٠].

يخبرنا الله سبحانه وتعالى بأننا لا نبتلى ببلاء في هذه الدنيا إلا بذنب اقترفناه، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى:٣٠]، ومع ذلك فالله كريم عظيم سبحانه يتكرم ويعفو عن الكثير.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل.

والصحابة لهم تعبيرات جميلة في آيات من كتاب الله سبحانه، فيرى بعضهم هذه الآية أرجى، والبعض الآخر قد يرى آية أخرى.

ومعنى قوله: (هذه أرجى آية) أي: أرجو من الله عز وجل فضلها، وما ذكر في هذه الآية من عفو الله عن الكثير الذي تطمئن الإنسان المؤمن.

وقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:٥٣]، قالوا: هذه أرجى آية في كتاب الله؛ لأن فيها غفران كل الذنوب.

وقالوا أيضاً في قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:٤٨]، هي أرجى آية في كتاب الله طالما الإنسان على التوحيد، ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا يقع في الشرك بالله، ولا في الكفر فهو يرجو رحمة الله.

ومعنى قولهم: هذه أرجى، أي: من آيات الرجاء التي يرجو المؤمن ما فيها من فضلٍ وتكفيرٍ ومغفرة.

كذلك هذه الآية: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ)، أرجى آية في كتاب الله، فإذا كان يكفر عنا بالمصائب، ويعفو عن كثير، فماذا يبقى بعد كفارته وعفوه، فابتلاك ببعضها في الدنيا وعفا عن كثير سبحانه، فإذا كان الأمر بين الابتلاء وبين العفو فماذا يبقى بعد ذلك؟ والغرض بيان سعة رحمة رب العالمين سبحانه.

والمؤمن يرجو الله ويخاف من ذنوبه، ويعلم أن الله غفور رحيم، وأن الله شديد العقاب، فلابد أن يسير في الدنيا بين هذين الأمرين، أي: بين الخوف والرجاء، فيخاف ذنوبه أن توبقه، ويحب ربه ويرجو رحمته، ويحسن الظن به كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه وهو يموت: (كيف تجدك، قال الرجل: أجدني أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعا في قلب عبدٍ في مثل هذا الموضع إلا أمنه الله مما يخاف، وأعطاه ما يرجو).

فرحمة الله عز وجل عظيمة واسعة، والمؤمن يعبد ربه بين الخوف والرجاء، كما كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فقد قال الله عز وجل عنهم: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:٩٠] أي: رغبة فيما عندنا، ورهبة مما عندنا، فهذا مقام الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، كلهم يعبدون الله عز وجل بين الخوف والرجاء رغباً ورهباً.

قال تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ)) جاء عن السلف رضوان الله عليهم في ذلك كلام جميل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذىً ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)، فكل ما يبتلى به الإنسان يكفر الله عز وجل عنه من خطاياه لذلك، وهذا في الإنسان المؤمن الموحد لربه سبحانه، الذي يعبد ربه، ويقع في الذنوب، فالله يتجاوز ويعفو ويغفر ويبتليه في الدنيا بذلك.

أما الكافر فليس بعد الكفر ذنب، إنما يعافي الله تعالى له بدنه، ويعطيه مالاً وولداً؛ حتى يلقى ربه سبحانه، وليس له عنده شيء، وليس له حجة.

يقول الحسن: دخلنا على عمران بن حصين رضي الله عنه، وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأفاضل الذي كانت الملائكة تسلم عليه، وكان قد أصيب ببواسير، فلما اشتد عليه المرض طلب من يكويه فكوي، فكان آخر العلاج الكي، وهو بغيض، وقد كان العرب يستخدمونه كنوع من الوقاية من الأمراض؛ فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكي، فلا يستخدم إلا في أضيق الحدود كنوع من العلاج، مثل: توقيف النزيف، أما أنه وقاية من العلاج فلا.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كان الشفاء ففي ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية نار، وأنهاكم عن الكي).

فـ عمران بن حصين رضي الله عنه لما كوي دخلوا عليه بعد ذلك، ووجدوه يتألم رضي الله عنه ويقول: لقد اكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا.

ويقصد أنه بعد أن اكتوى لم تعد الملائكة تسلم عليه، ثم ما لبث أن عادت الملائكة تسلم عليه كما كانت.

فـ الحسن البصري دخل على عمران بن حصين رضي الله عنه، فقال رجل من الحاضرين: إني ليمنعني من زيارتك ما بك من الوجع.

فقال عمران: يا أخي! لا تفعل، فوالله إني لأحب الوجع، ومن أحبه كان أحب الناس إلى الله، والله قدره علي فأنا راض بما قدره الله سبحانه.

انظر لحبهم لله سبحانه وتعالى، الألم عليه شديد، وهو يقول: أنا أتألم منه، لكن أحبه لأنه يقربني من الله، والله يحب ذلك، وقد قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:٣٠]، فهذا مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر.

إنه اتهام النفس، والتواضع بين يدي الله سبحانه وتعالى.

قال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة -ومعلوم أن شريحاً القاضي رجل مخضرم عاش في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يسلم إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أعدل القضاة رضي الله تعالى عنه، وقد قضى لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه دهراً طويلاً، وكان من أعلم الناس بالحكم بين الخصوم- فسأله إنسان فقال له: يا أبا أمية ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيدينا، ويعفو عن كثير.

يعني: هذه بسبب ذنوبنا، ويعفو الله عن كثير.

والإمام محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك؛ فقد كان رجلاً كريماً، ويحب الإنفاق، فقال: إني لأعرف سبب هذا الغم، إنه بذنب أصبته منذ أربعين سنة! فما زال رحمه الله تعالى ذاكراً ذنبه الذي ارتكبه منذ أربعين سنة، فلما ابتلاه الله عز وجل عرف سبب الابتلاء.

هذا بعض ما جاء عن السلف الصالح رضوان الله عليهم في ذلك، فعلى الإنسان أن يتهم نفسه إذا ابتلي بشيء وينظر ماذا عمل.

وجاء أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرض مرضاً شديداً وهزل حتى صار كالفرخ من الضعف، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم فتعجب من حالته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لعلك دعوت على نفسك بشيء، قال: نعم، قال: بم دعوت؟ قال: قلت: اللهم ما كنت معاقبني به يوم القيامة فعاقبني به الآن.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تستطيع، سل ربك العفو والعافية).

فالإنسان يرى رحمة الله عز وجل العظيمة الواسعة، فلا ينبغي أن يدعو على نفسه، ولكن يدعو لنفسه بالخير، ومن أجمل الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

ومن ذلك الدعاء في الليالي التي هي مظنة ليلة القدر بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم يعلم عائشة: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا).

فيدعو الإنسان المؤمن له ولأهله ولإخوانه وللمؤمنين، يدعو بالعفو، وعفو الله عز وجل أعظم وأوسع بكثير، فلا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا إلا بخير.

<<  <  ج:
ص:  >  >>