للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الأحوال التي تحبط فيها الأعمال الصالحة]

نختم الكلام ببعض العبارات من كتاب الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه المحجة في (سير الدلحة) فلها تعلق بموضوعنا.

قال في سبحانه وتعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:٤٧] هذه الآية كانت تشتد على الخائفين من العارفين، فإنها تقتضي أن من العباد من يبدو له عند لقاء الله ما لم يكن يحتسب، مثل أن يكون غافلاً عما بين يديه، معرضاً عنه، غير ملتفت إليه ولا يحتسب له، فإذا كشف الغطاء عاين تلك الأهوال الفظيعة، فبدا له ما لم يكن في حسابه، كما قال تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:٢٢]، ولهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: لو أن لي ملك الأرض لافتديت به من هول المطلع، والمطلع: هو مكان الاطلاع من موضع عال، يقال: مُطّلع هذا الجبل في مكان كذا، أي مكانه ومقعده، وفي حديث: (لا تمنوا الموت؛ فإن هول المطلع شديد، وإن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة)، رواه أبو نعيم في الحلية.

وقال بعض حكماء السلف: كم من موقف خزي يوم القيامة لم يخطر على بالك قط، ونظير هذا قوله تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:٢٢] ومعنى حديد: حاد.

ثم يبين الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى ما يصير هباءً منثوراً من الأعمال، فيقول: النوع الأول: ويشتمل على ما هو أعم من ذلك، وهو أن يكون لهم أعمال يرجون بها الخير فتصير هباءً منثوراً، وتبدل سيئات، وقد قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:٣٩].

وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:٢٣].

وقال الفضيل في هذه الآية: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:٤٧] قال: عملوا أعمالاً وحسبوا أنها حسنات فإذا هي سيئات.

النوع الثاني: أن يعمل الإنسان ذنباً يحتقره ويستهزئ به، فيكون هو سبب هلاكه، كما قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:١٥]، وقال بعض الصحابة: إنكم تعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات، رواه البخاري.

النوع الثالث: يقول: وأصعب من هذا من زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً.

قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].

قال ابن عيينة: لما حضرت محمد بن المنكدر الوفاة جزع فدعو له أبا حازم فجاء، فقال له ابن المنكدر: إن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:٤٧] فأخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب، فجعلا يبكيان جميعاً.

وفي بعض الروايات فقال له أهله: دعوناك لتخفف عليه فزدته! فأخبرهم بما قال.

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخبرت عن سليمان التيمي أنه قيل له: أنت أنت ومن مثلك؟ فقال: مه! لا تقول هذا لا أدري ما يبدو لي من الله، سمعت الله يقول: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:٤٧].

النوع الرابع: يقول: وكان سفيان الثوري يقول عند هذه الآية: ويل لأهل الرياء من هذه الآية: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:٤٧]، ويل لأهل الرياء من هذه الآية! وهذا كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: العالم، والمتصدق، والمجاهد.

النوع الخامس: من عمل أعمالاً صالحة وكانت عليه مظالم وعنده حقوق للناس من أموال، أو غيبة ونميمة وغير هذه الأشياء، فهو يظن أن أعماله تنجيه، فيبدو له ما لم يكن يحتسب، فيقتسم الغرماء أعماله حتى تنتهي أعماله ولم يأخذوا كل حقوقهم، فيطرح من سيئاتهم عليه ثم يطرح في النار.

النوع السادس: وقد يناقش الحساب فيطلب منه شكر النعم، ففي الحديث: (من نوقش الحساب عذب)، ولو أن الله سبحانه وتعالى عرض على العبد يوم القيامة أعماله فقط فهذا يرجى له أن يستره الله، كما ستره في الدنيا، وأما إذا حصل النقاش فهذه علامة على أنه سوف يعذب، يقول: وقد يناقش الحساب فيطلب منه شكر النعم، وهي: فيقال له: كيف شكرت نعمة الله؟! فتقوم أصغر النعم التي أنعم الله بها عليه فتستوعب أعماله كلها، وتبقى بقية النعم فيطالب بشكرها فيعذب.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (من نوقش الحساب عذب أو هلك).

النوع السابع: وقد يكون له سيئات تحبط بعض أعماله أو أعمال جوارحه سوى التوحيد، فيدخل النار، ونص الحديث: (فإن من أمتي من يجيء بأعمال أمثال الجبال فيجعلها الله هباءً منثوراً) وفيه: (هم قوم من جلدتكم، ويتكلمون بألسنتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها).

وعن سالم مولى أبي حذيفة مرفوعاً: (يجاء يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات مثل جبال تهامة)، وتهامة: هي كل ما نزل من نجد في بلاد الحجاز، فمكة كلها من تهامة.

(يجاء يوم القيامة بأقوام معهم من الحسنات مثل جبال تهامة، حتى إذا جيء بهم جعل الله أعمالهم هباء ثم أكبهم في النار)، قال سالم: خشيت أن أكون منهم.

قال صلى الله عليه وسلم: (أما إنهم كانوا يصومون ويصلون، ويأخذون هنيهة من الليل، لعلهم كانوا إذا عرض لهم شيء سراً حراماً أخذوه فأدحض الله أعمالهم).

وقد يحبط العمل بآفة من رياء خفي، أو عجب به ونحو ذلك ولا يشعر به صاحبه.

قال ضيغم العابد رحمه الله تعالى: إن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليهم أمران: هم الدنيا، وشقاء الآخرة، فقيل له: كيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعب في دار الدنيا ويدأب؟ فقال: كيف بالقبول، وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح عمله فيجمع ذلك كله يوم القيامة ثم يضرب به وجهه، ومن هنا كان عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون من هذه الآية: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:٢٧].

وقال ابن عون: لا تثق بكثرة العمل، فإنك لا تدري يقبل منك أم لا؟ ولا تأمن الذنوب، فإنك لا تدري هل كفرت عنك أم لا؟ وبكى النخعي عند الموت وقال: أنتظر رسول ربي ما أدري أيبشرني بالجنة أو بالنار.

وجزع غيره عند الموت قيل له تجزع؟ قال: إنما هي ساعة ولا أدري أين يسلك بي.

وجزع بعض الصحابة عند موته فسئل عن حاله؟ فقال: إن الله قبض خلقه قبضتين: قبضة للجنة وقبضة للنار ولست أدري في أي القبضتين أنا! ومن تأمل هذا حق التأمل أوجب له القلق، فإن ابن آدم متعرض لأهوال عظيمة، من الموت والقبر، وأهوال البرزخ، وأهوال الموقف، كالصراط والميزان، وأعظم من ذلك الوقوف بين يدي الله عز وجل، ودخول النار، ويخشى على نفسه الخلود فيها بأن يسلب إيمانه عند الموت، ولم يأمن المؤمن شيئاً من هذه الأمور قال تعالى: {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:٩٩]، فتحقق هذه الأمور يمنع ابن آدم القرار.

رأى بعضهم في النوم قائلاً يقول له: وكيف تنام العين وهي قريرة ولم تدر في أي المحلين تنزل وسئل بعض الموتى وكان عابداً مجتهداً عن حاله فأنشد يقول: وليس يعلم ما في القبر داخله إلا الإله وساكنوا الأجداث وفي هذا يقول بعضهم: أما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما هجعوا وناموا لقد خلقوا لأمر لو رأته عيون قلوبهم تاهو وهاموا ممات ثم قبر ثم حشر وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت رجال فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا نهينا أو أمرنا كأهل الكهف أيقاظ نيام وعن جبير بن نفير قال: دخلت على أبي الدرداء رضي الله عنه منزله بحمص فإذا هو قائم يصلي في مسجده، فلما جلس يتشهد جعل يتعوذ بالله من النفاق، فلما انصرف قلت له: غفر الله لك يا أبا الدرداء! ما أنت والنفاق، وما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: اللهم! غفراً ثلاثاً، لا يأمن البلاء من يأمن البلاء، والله! إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة وينقلب عن دينه.

وقال أبو الدرداء: والذي نفسي بيده! ما آمن عبد على إيمانه إلا سلبه أو انتزع منه فيفقده، والذي نفسي بيده! ما الإيمان إلا كالقميص يتقمصه مرة، ويضعه أخرى.

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وإنه ليأتي عليه أحايين وما في قلبه موضع إبرة من إيمان.

وكان عمرو بن الأسود العنسي إذا خرج إلى المسجد قبض بيمينه على شماله فسئل عن ذلك فقال: مخافة أن تنافق يدي.

وقال معاوية بن قرة: ألا يكون فيّ نفاق أحب إلي من الدنيا وما فيها، كان عمر رضي الله عنه يخشاه وآمنه أنا؟! يشير إلى جزع عمر، فقد كان حذيفة رضي الله عنه قد أسر إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين، فكان عم