للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[تفسير قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض)]

قال تبارك وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ} [آل عمران:١٩٠].

((إن في خلق السموات والأرض)) أي: في إيجادهما على ما هما عليه من الأمور المدهشة، تلك في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص.

((إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار)) يذكر الله تعالى عناوين مما خلق من الآيات في السماوات والأرض، وهذه العناوين ينقسم الواحد منها في العلوم الحديثة إلى عشرات بل مئات التخصصات أحياناً، وهي رسائل من الله سبحانه وتعالى يتعرف إلى عباده عن طريقها، وكان حق هذا العلم الذي تطور في هذا الزمان تطوراً مدهشاً مذهلاً بفضل الله سبحانه وتعالى أن يبين آيات الله وعظمته.

لكن المناهج العلمية الموجودة على مستوى العالم قائمة على العلمانية التي تعتبر إيراد الباحث لآية أو حديث خروجاً عن المنهج العلمي.

وهذا جهل وجحود؛ قال بعض العلماء: كانت الجاهلية قبل الإسلام جاهلية الجهل، أما الآن فهي جاهلية العلم؛ لأنك تجد أنهم يفصلون فصلاً كاملاً بين آيات الله سبحانه وتعالى وبين خالقها تبارك وتعالى.

وأيضاً كل هذه العلوم وما فيها من الآيات والبدائع ومظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته وعظمته، لا يمكن أبداً أن يجترئ أحد على أن ينسبها إلى صانعها، فهل هناك جحود أكثر من هذا؟ في الحقيقة هذا العلم علم جاحد؛ لأنه يفصل هذا المصنوع عن صانعه، ويفصل المخلوقات عن خالقها تبارك وتعالى.

ونحن عندما نقرأ كتب العلماء السابقين في مثل هذه المواضع نجد أنهم كانوا يأتون بمعلومات محدودة جداً، لعلوم كاملة: نبات، حيوان تشريح، وغيرها من العلوم، لكن هذه العلوم انفتحت فيها عوالم ومجالات واسعة جداً، وانكشف فيها ما لم يصل الأوائل منه إلى شيء ولم يقفوا له على خبر، وكان مقتضى ذلك أن يزيد إيمان الناس، وأن يخضعوا لربهم تبارك وتعالى وأن يسلموا له.

ولذلك نحن نقول: هذه العلوم ليست من علوم الدنيا، بل هذه العلوم هي تطبيق لهذه الآية الكريمة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران:١٩١] فهذه العلوم إذا درستها من هذا المنطلق فهي تماماً كعلم التوحيد، أو دراسة القرآن الكريم الذي هو آيات الله سبحانه وتعالى.

الآيات إما آيات تكوينية في الكون، وإما آيات تنزيلية، فكما أن آيات القرآن تنزيلية، كذلك السماوات والأرض مملوءتان بالآيات الكونية، وكلها تشير إلى وحدانية الله تبارك وتعالى.

فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فكل ما تقع عينك عليه ينطق بوحدانية الله تبارك وتعالى، وقد جاء (أن النبي عليه الصلاة والسلام قام ليلة من الليالي وظل يبكي حتى بل لحيته، ثم ظل يبكي حتى بل حجره، ثم ظل يبكي حتى بل الأرض، إلى أن جاء بلال يؤذنه بصلاة الفجر، فلما رآه يبكي بكى، ثم قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد أنزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، وتلا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [آل عمران:١٩٠] إلى قوله: {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:١٩١]).

إذاً: التفكر في هذه الآيات المذكورة في آل عمران ليس مستحباً فقط، وإنما هو فريضة، بل عدم فعل ذلك من الكبائر؛ لأن من علامات الكبيرة التوعد عليها بالويل، فهذا يدل على أن الفرض على المسلم أن يتفكر في هذه الآيات، وأن يكون له ورد تفكر كما يكون له ورد من تلاوة القرآن.

قوله: ((واختلاف الليل والنهار)) لقد قام السلف بتفسير هذه الآيات طبقاً لمعلوماتهم المحدودة، لكن الآن كشفت لنا كثير من الأسرار والمعلومات، والإنسان الجاهل المسكين يظن أنه إذا اكتشف كيف يسير هذا الكون، وكيف يتدبر أموره؟!! يظن أنه صار هو المستقل بتدبير أمور الكون.

لو أن رجلاً اخترع جهازاً دقيقاً وخبأه في صندوق وأغلقه بالمفتاح، ثم استطاع بعض الناس أن يفتح هذا الصندوق ويصف لنا ما بداخله، ويقول: إن هذه القطعة وضعت هنا للحكمة الفلانية، وهذه وضعت هنا من أجل استعمالها في كذا، واستطاع من خلال الدراسة أن يكتشف ما فيها من الدقة والإحكام، وسخرها بعد ذلك لفائدته ومصلحته، هل يكون له الفضل في إبداع هذه الآلة؟ أم أن الفضل هو لخالقها وصانعها.

لو تفكرنا في الوظائف الدقيقة التي تجري في جسم الإنسان، سواء النشاط الهرموني، أو نظام الجهاز البولي، أو الجهاز الهضمي، أو الدوري، أو العصبي، أو العضلي أو غير ذلك من أجهزة الجسم، لعرفنا عظمة الله تعالى في إتقانها وإحكامها.

وقد اكتشف العلم الحديث هذه التفصيلات وعرفت للناس، وأنت تعلم أن كل هذه الأشياء تجري في بدنك وأنت لا سلطان لك عليها، بل أغلبنا لا يعرف شيئاً عنها، فليس عنده خبر عن الإنزيمات ولا الهضم ولا الامتصاص ولا غير هذه الأشياء بتفاصيلها الدقيقة جداً، بل تفنى الأعمار قبل أن يصلوا إلى كل ما أودعه الله من الأسرار في هذا الكائن، كذلك عندما تنام أيها الإنسان في الليل فأن هذه الأجهزة تعمل بحكمة الله سبحانه وتعالى.

إذا ارتفعت نسبة هرمون معين بنسبة ضيئلة جداً فإنه يحصل خلل في وظائف الجسم فمن الذي يضبط هذه الأمور كله؟! الله سبحانه وتعالى يضبطها، فما من ذرة من ذرات الكون إلا وهو يدبرها ويوجهها، وهذا هو معنى قولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا يجري شيء إلا بقدرة الله سبحانه وتعالى وتوجيهه.

فالناس الذين ما عرفوا شيئاً عن هذه العلوم، كان الله سبحانه وتعالى يتولاهم ويرعاهم، وتسير أبدانهم ووظائف الكون كوظائف الشمس والقمر والنجوم والكواكب منذ أن أودعها الله سبحانه وتعالى، وفق قدرة الله سبحانه وتعالى، ولم تكن تنتظر هؤلاء الجهلة في آخر الزمان لينازعوا الله في ألوهيته وربوبيته، ويفصلوا الخلق عن الخالق.

إذاً: الله سبحانه وتعالى خلقنا، وليس كما زعم هؤلاء الكفار أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان فحركه ثم تركه، وانتهت وظيفة الإله وصار في غفلة عن خلقه، معاذ الله! أو كما زعموا -والعياذ بالله- أن الله سبحانه وتعالى يملك في الكون ولا يحكم مثل ملكة الإنجليز، فهذا هو تصورهم عن الإله، وهذا هو سبب معاداتهم للدين، أو بتعبير أدق إيثارهم فصل الدين عن الحياة.

أما الإسلام فأتى بالتصور الشامل والعقيدة الشاملة لطبيعة العلاقة بين الله سبحانه وبين خلقه، وبين الخلق وبعضهم البعض، وبين الإنسان وبين نفسه.

يقول تعالى: ((واختلاف الليل والنهار)) أي: في تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها، أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر، وانتقاصه بازدياده.

قوله: ((لآيات)) أفضل طريقة لتفسير هذا الجزء من الآية أن نحضر من كل تخصص من هذه العلوم من يشرح لنا أسرار هذا العلم، وحكم الله سبحانه وتعالى في تدبير الكون بهذه المواضع كلها، وبالتالي سنحول المسجد إلى جامعة شاملة لتعلم كل هذه العلوم، وهذا هو المفروض أن العلوم تدرس من هذا المنطلق الإيماني: تأمل سطور الكائنات فإنها من الملأ الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل فهي آيات من الله سبحانه وتعالى، أما الطبيعة فهي مفتقرة إلى من يخلقها.

((لآيات)) أي: لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته، والتكثير للتفخيم كماً وكيفاً، أي: كثرة عظيمة.

((لأولي الألباب)) أي: لذوي العقول المجلوة بالتزكية والتصفية بملازمة الذكر دائماً.

هنا إشارة إلى أن القلوب لا تصفو ولا تتجلى إلا بذكر الله سبحانه وتعالى؛ وذلك عقب أولي الألباب بقوله: ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا)) وهذا هو الذي يفهم ويعي ويعقل عن الله سبحانه وتعالى رسائله، فبدلاً من أن نقول: إن السيل ظاهرة طبيعية، نتذكر آيات الله سبحانه وتعالى {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا} [الشمس:١٤] {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف:٢٤] كل هذه الآيات تربط الوقائع في كونه سبحانه هو المسير الحقيقي لها.

ذكرنا من قبل أيضاً: أننا عندما نقول: (آيات لأولي الألباب) أن الحقائق غير المرئية أو المغيبة عنا لا تخضع للتجربة ولا المشاهدة والاستنتاج ولكن ما لا نراه فإنه لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الوحي؛ لأنه إذا كان كل شيء يتم عن طريق المعاينة فستنتفي حكمة هذا الوجود كله، وحكمة الابتلاء في الدنيا.

وهؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله ويحاربون الدين لو أراد الله لأمر الملائكة أن تتخطفهم وتقطعهم إرباً إربا، أو لأنزل صاعقة من السماء على بيوت الظالمين على وجه الأرض، فهو قادر على أن تستمر الآيات بصورة تكشف لنا هذه الوقائع قبل أن يكشفها لنا الغيب، فنرى الملائكة ونرى الشياطين ونرى الجنة ونرى النار، ونرى عذاب القبر ونعيمه إلى آخره.

ولكن لو عاينا هذه الأشياء لا نتفت حكمة التكليف، أي: أن كل الناس في هذه الحالة سيؤمنون بالإكراه عن طريق هذه الآيات، فيكون حالهم تماماً كيوم القيامة، حينما يقولون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة:١٢] فهل ينفع هذا اليقين؟! كذلك اليقين لا ينفع عند رؤية العذاب، ولذلك يقتصر الله سبحانه وتعالى على أن تحدث بعض هذه الآيات بين وقت وآخر؛ تذكيراً للناس وتنبيهاً لهم واستعتاباً، لكن لا تستمر ولا تكون صالحة