للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[تفسير قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله)]

ثم قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام:١٢٤].

قوله: ((وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ)) أي: برهان وحجة قاطعة.

وقوله: ((قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)) يعني: كما نزل الوحي على الأنبياء بالمعجزات المصدقة لهم، فكذلك نحن لن نؤمن حتى يحصل معنا نفس هذا الشيء، وينزل علينا الوحي كما نزل على رسل الله تبارك وتعالى.

فمعنى (حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله) أي: لن نؤمن حتى تأتينا الملائكة بالرسالة، كما فعلت مع رسل الله عز وجل، وهذا -أيضاً- كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان:٢١]، وكما قال تبارك وتعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} [المدثر:٥٢]، وكما قال -أيضاً- حاكياً عن اقتراحاتهم: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء:٩٢].

ويحتمل أنهم يريدون أن يروا الملائكة عياناً يأتون ويشهدون له بالرسالة، أو أنهم أرادوا أن تأتيهم الملائكة بالرسالة وبالوحي كما جاءت إلى الأنبياء.

وقوله تعالى: ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)) هذا الجزء من الآية يصحح أنهم إنما طلبوا النبوة ولم يطلبوا مطلق نزول الملائكة لتشهد للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن الجواب أتى من الله بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالذي يستحق الرسالة يعلمه الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:٦٨]، وقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:٧٥].

إذاً: هذا هو الجواب عليهم على ما اقترحوا، فإنهم قالوا: ((لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)) أي: أما أن تنزل عليهم الملائكة ليشهدوا للرسول، وإما أن تنزل عليهم الملائكة بالوحي كما كانت مع الرسل، وهذا القول الثاني أرجح، بدليل قوله تعالى بعدها مباشرة: ((اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ))، فهذا كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن الله لا يصطفي للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، فيليق للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره مما لو انكشف لغيره انكشافه له لطابت له نفسه، أو ذهبت بعقله دلالته وعظمته، فهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم، والله سبحانه أعلم بالمحل الذي يليق به أن يصطفى ويختار نبياً ورسولاً لله عز وجل، وقد روى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل اصطفى -أي: اجتبى- من ولد إبراهيم إسماعيل) يعني: أن إسماعيل عليه السلام مصطفى من جميع ولد إبراهيم عليه السلام باختيار واصطفاء، قال: (واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ورواه مسلم.

وروى الإمام أحمد عن المطلب بن أبي وداعة عن العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فريقين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة، وجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً) صلى الله على نبيه وسلم.

ثم قال تبارك وتعالى: ((سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ)).

قوله: (صغار) أي: ذلة وهوان وضيم في مقابلة ما كانوا عليه في الدنيا من التكبر ومن التعاظم على خلق الله تبارك وتعالى والاستكبار عن الحق، ولذلك صح في الحديث أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة في صورة الذر الدقيق الذي يضعف عن شعاع الشمس، ولذا يمر في المكان الذي فيه ظل، فالمتكبرون يكونون على الصورة الإنسية، لكن في حجم الذر، يطؤهم الناس في الموقف تحقيراً لهم، ومعاملة لهم بنقيض ما قصدوا، فهم قصدوا في الدنيا التكبر والعلو، فعوقبوا بالذل والصغار يوم القيامة، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: ((سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ)) أي: ذلة وهوان بعد كبرهم وعظمتهم.

وقوله: (صغار عند الله) يعني: صغار من عند الله، أو صغار عند الله ثابت لهم، يعني يوم القيامة جزاء على منازعتهم له تعالى في كبره برد آياته وتكذيب رسالته، كما صح في الحديث: (الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قصمته).

فالكبرياء لله عز وجل، كما قال تعالى: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الجاثية:٣٧] فلا ينبغي لأحد أبداً أن ينازع الله سبحانه وتعالى في صفة الكبرياء، فهؤلاء لما نازعوه عز وجل في هذه الصفة، وردوا آياته وكذبوا رسله، واعترضوا على الله عز وجل لأنه اختص بالرسالة غيرهم عاقبهم بهذا الصغار الثابت لهم عند الله.

قوله: (وعذاب شديد) يعني: في الآخرة (بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) أي: بما كانوا يمكرون في الدنيا إضراراً بالأنبياء أو إضراراً بأتباع الأنبياء من الصالحين، وكانوا يأتمرون ويخططون من أجل إطفاء نور الإسلام وحرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن كثير: لما كان المكر -غالباً- إنما يكون خفياً -وهو التلطف في التحيل والخديعة- قوبلوا بالعذاب الشديد من الله يوم القيامة جزاءً وفاقاً، ولا يظلم ربك أحداً.

وجاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان) والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفياً لا يطلع عليه الناس فيوم القيامة يصير علماً منشوراً على صاحبه بما فعل، يركز في هذا اللواء ليفضح أمام أهل الموقف لأنه كان يكتم المكر في الدنيا، وكانت المؤامرات تعقد في الخفاء، ويتآمرون على المسلمين، ويمكرون بأهل طاعة الله سبحانه وتعالى، فيعاقبون بهذا الغدر يوم القيامة بأن يفضحوا ويكشف غدرهم، وكل غادر يكون يوم القيامة بهذه المثابة حتى يصير ذلك علماً منشوراً على صاحبه بما فعل.