فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قريش توفد وفداً إلى أبي طالب ليثني ابن أخيه عن دينه

لا يظنن ظان أن الأمر مستوٍ عند الله، فإن للباطل جولة وإن للحق جولة، ولكن الحق غالب إن اعتضد بالصبر: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد:17] فلقد لاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم العناء قريش، إذ بعثوا إلى أبي طالب فقالوا له: يا أبا طالب! لقد رأيت ابن أخيك يسفه آلهتنا ويعيبهم، ويفرق بين المرء وأبنائه، وبين الزوج وزوجته، يا أبا طالب! أعطنا محمداً لنقتله ونعطيك شيبة بن ربيعة وتعرف أن هذا أفضل الشباب في قريش تربيه، فقال: سفهت أحلامكم معشر قريش، أفأعطيكم ابني لتقتلوه وتعطوني ابنكم لأربيه لكم، قالوا: فاجعله يسكت عنا.

فجاء أبو طالب وقال له: يا ابن أخي! إن قومي كلموني فيك، فقال: ماذا يريدون يا عماه؟ قال: يا بني! يقولون إنك عبت آلهتهم وسفهت أحلامهم وفرقت بين الابن وأبيه وبين الزوج وزوجته، فانظر ماذا تريد أن تعمل؟ وكان مما قالوه أيضاً: إن كان محمد يريد أن يكون ملكاً علينا ملكناه، وإن كان يريد أن يكون أغنانا جمعنا له المال فصار أغنانا، وإن كان هذا الذي يأتيه رأي من الجن نأتي له بالأطباء من أرجاء الجزيرة فيسعون في زواله وانتفائه، فقال صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (يا عماه! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه).

وهنا ندرك أولاً أن أصحاب الدعوات الكبار لا ينظرون إلى دنيا، فالدنيا بالنسبة لهم دنيئة، ينظرون إليها بعين البصيرة لا بعين البصر، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج رآها فرأى امرأة عجوزاً شمطاء حيزبون عليها من أنواع الحلي والدر والأحجار الكريمة ما لم تر عينه، تنادي وتقول: يا محمد، فأعرض عنها رسول الله، وقال: (من هذه يا جبريل؟ قال: هذه هي الدنيا ما نظر الله إليها منذ أن خلقها، فقالت: يا محمد! إن نجوت مني فلن تنجو مني أمتك).

ومما قاله سيدنا علي عن الدنيا: الدنيا ساعة فاجعلها طاعة.

فالدنيا كلها ساعة وسرعان ما تنتهي، ولذا إذا مات العبد قامت قيامته، فلكل قيامته، ومن الغريب أن تجد من يقول: حدثني عن علامات الساعة، ومتى هي، لا زال الوقت مبكراً على قيامها، فإنها لا تقوم إلا بعد أن نحرر بيت المقدس، وننتصر على اليهود، غافلاً أنه لو مات الآن قامت قيامته، إذ إن القيامة قيامتان: قيامة صغرى، وقيامة كبرى، فإذا مات العبد فقد قامت قيامته الصغرى.

فما دامت الدنيا ساعة فوصية سيدنا علي أن نجعلها طاعة، ثم يقول: والنفس طماعة فعودها القناعة.

وفي أثر آخر يقول: الدنيا إذا حلت أوحلت، فلو أنك بقيت تصارع لتكون المدير العام أو رئيس مجلس الإدارة، ومن ثم وصلت إلى ذلك المنصب ولكنك غافل عن المسئولية، إذ إن كل خطأ يحدث في المصلحة يكون المدير هو المسئول عنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>