للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أقسام الناس في الإيمان والعمل]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإذا تقرر هذا صار الناس أقساماً: مؤمنون خُلَّص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفار خُلَّص، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون، وهم قسمان: خُلَّص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالاً من الذين قبلهم].

قسم الله تعالى في أول سورة البقرة الناس أقساماً: القسم الأول: المؤمنون باطناً وظاهراً، وهم الذين قال فيهم: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة:٥] والقسم الثاني: الكفار ظاهراً وباطناً، وهم الذين قال فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:٦ - ٧].

والقسم الثالث: المؤمنون ظاهراً الكفار باطناً، وهم المنافقون الذين قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة:٨] إلى آخر الآية.

وقسم هؤلاء إلى قسمين: قسم كفرهم غليظ، وهم المنافقون الخلَّص، وهم الذين ضرب لهم المثل الناري، وقسم آخر يظهر لهم النور تارة، ويخبو أخرى، نسأل الله العافية، وهم الذين ضرب لهم المثل المائي.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دري، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان، واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله، ثم ضرب مثل العُبَّاد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيء -وهم أصحاب الجهل المركب- في قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور:٣٩] ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال الله فيهم: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:٤٠].

].

الجهال الذين لا يعلمون الحق جهلهم بسيط، وأما العبَّاد من الكفار فجهلهم مركب؛ لأنهم لا يعلمون ويظنون أنهم على حق، حيث فهموا الأمور فهماً معكوساً، فعبّاد اليهود والنصارى يتعبدون على جهل وغي، وهم يحسبون أنهم على الحق.

فالجاهل جهلاً بسيطاً هو الذي لا يعلم، والجاهل جهلاً مركباً هو الذي يتصور الشيء على خلاف ما هو عليه.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقسم الكفار هنا إلى قسمين: داعية ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:٣]، وقال بعده: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:٨] وقد قسم الله المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها، وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون، وهم المقربون، وأصحاب يمين، وهم الأبرار.

فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)].

المعروف عند أهل العلم أن الحديث إنما هو في النفاق العملي، لكن قال العلماء: إن هذه الخصال الأربع إذا استحكمت في الإنسان وكملت جرته إلى النفاق الأكبر.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق إما عملي لهذا الحديث، أو اعتقادي كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله].

وهناك صنف ثالث من المؤمنين ذكره الله في سورة فاطر، وهم الظالمون لأنفسهم، وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فهم مؤمنون موحدون لم يقعوا في الشرك لكن وقعوا في المعاصي، وذلك إما لأنهم قصروا في بعض الواجبات، أو ارتكبوا بعض المحرمات، وهؤلاء على خطر، فمنهم من يغفر الله له ويعفو عنه لتوحيده وإيمانه، ويدخل الجنة من أول وهلة، ومنهم من يشفع فيه، ومنهم من يعذب في النار، ومنهم من يعذب في القبر، ومنهم من يعذب بأهوال وشدائد يوم القيامة، لكن في النهاية مآلهم إلى الجنة والسلامة، فهم إذاً ثلاثة أصناف: سابقون مقربون، ومقتصدون، وظالمون لأنفسهم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية -يعني: شيبان - عن ليث عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه)، وهذا إسناد جيد حسن].

قلت: كيف يقول الحافظ ابن كثير: سنده جيد، وفيه الليث بن أبي سليم وهو ضعيف؟! فلعله يعني أن له شواهد.

وقال الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل الوادعي: الحديث في سنده ليث، وهو: ابن أبي سليم كما جاء مصرحاً به في (المعجم الصغير) للطبراني، وهو مختلط، وفي السند أيضاً انقطاع؛ فإن أبا البختري -وهو: سعيد بن فيروز - لم يسمع من أبي سعيد الخدري كما في (تهذيب التهذيب)، فعلم بهذا ضعف الحديث.