للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[رواية ابن إسحاق لقصة موسى والخضر عليهما السلام]

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس! إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا.

قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوف يقول هذا يا سعيد؟! قلت له: نعم، أنا سمعت نوفاً يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟! قال: قلت: نعم، قال: كذب نوف، ثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب! إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه، فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، ثم نعت له مكانه، وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي)].

قوله: (خلد) أي: خلد تخليداً مؤقتاً، وليس المراد التخليد المؤبد؛ لأن الخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا كخلود الكفرة في النار، وخلود مؤمد، كخلود العصاة في النار، ولهذا قال الله تعالى في القاتل العمد: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء:٩٣]، فخلوده خلود مؤمد، إلا إذا استحله؛ لأنها دون الشرك، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:٤٨]، كما أن الله حرم الجنة على الكفار، وهذا ليس بكافر، إلا إذا استحل فإنه حينها يكفر، والفرق بين من يستحل وبين الذي يفعل المعصية أن من قتل شخصاً متعمداً طاعة للهوى والشيطان فقد ارتكب كبيرة من الكبائر وجريمة، وهو متوعد بوعيد شديد، لكن لا يكفر، وكذلك من زنى أو سرق أو شرب الخمر أو تعامل بالربا أو أكل مال اليتيم أو عق والديه، كل هؤلاء عصاة، لكن من قال: الزنا حلال، أو الخمر حلال، أو الربا حلال، أو عقوق الوالدين حلال، أو القتل حلال؛ فهو كافر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وكذلك من أنكر وجوب الصلاة، وقال: الصلاة ليس بواجبة، أو الزكاة ليس بواجبة، أو الصوم ليس بواجب، أو الحج ليس واجباً، فهذا يكفر بلا خلاف.

أما من أنكر شيئاً مختلفاً فيه فلا يكفر، فلو قال مثلاً: الدخان ليس بحرام لا يكفر؛ لأن المسألة فيها شبهة، كما أن بعض الناس يفتي بأنه ليس بحرام فله شبهة.

وكذلك أيضاً من أنكر الوضوء من لحم الجزور؛ لأن المسألة مختلف فيها، فلا يكفر.

إذاً: القتل حرام بإجماع المسلمين، فإذا استحله المرء كفر، أما إذا قتل طاعة للهوى والشيطان، وهو يعلم أنه محرم ويعلم أنه عاص فلا يكفر، كما لو تعامل بالربا، بأن غلبه حب المال والجشع، وهو يعلم أن الربا حرام، فلا يكفر، ولو فعل الزنا، بأن غلبته الشهوة وهو يعلم أن الزنا حرام ولم يستحله لا يكفر.

فالصواب أن القاتل عمداً لا يخلد في النار خلود الكفار، وإنما يخلد خلود العصاة.

والقتل العمد العدوان يتعلق به ثلاثة حقوق لا بد من أدائها: الحق الأول: حق أولياء القتيل، فلابد من أن يسلم نفسه إليهم، فإذا سلم نفسه إلى أولياء القتيل فهم مخيرون بين قتله، أو أخذ الدية، أو العفو عنه، فإذا قتلوه، أو أخذوا الدية منه، أو عفوا عنه سقط حقهم.

الحق الثاني: حق الله، فإذا تاب توبة نصوحاً بشروطها، بأن يندم على ما مضى، ويقلع عن المعصية، ويعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليها، سقط حق الله.

الحق الثالث: حق القتيل، وهذا يطالب به يوم القيامة، فإذا أدى حق أولياء القتيل وأدى حق الله وتاب؛ فالله تعالى يرضي عنه القتيل ويعطيه من الثواب والأجر الجزيل ما يسمح به عن أخيه، فيسقط حقه.

فلابد من هذه الحقوق الثلاثة كلها.

وقد روي عن ابن عباس أنه قال: إن القاتل لا توبة له، وروي عنه أنه قال: إن له توبة، والصواب أن له توبة؛ لأن القتل دون الشرك، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:٤٨]، فهو تحت المشيئة فيما دون الشرك، ويقول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:٥٣]، وأجمع العلماء على أن هذه الآية نزلت في التائبين، فمن تاب من أي ذنب تاب الله عليه.

ومعنى قول ابن عباس: (لا توبة له) أي: لابد من أن يعذب بالنار، ثم يخرج منها إلى الجنة، وليس معنى ذلك أنه يخلد في النار، هذا معنى قوله: (لا توبة له)، أما من قال: (إن له توبة)، فيعني أنه إذا تاب تاب الله عليه ومحي عنه الذنب.

والصواب أن له توبة، وليس هناك ذنب ليس له توبة، فكل من تاب قبل الموت تاب الله عليه، حتى الشرك الذي هو أعظم الذنوب من تاب منه تاب الله عليه.

وكذلك قاتل نفسه مثل قاتل غيره، فهو مرتكب لكبيرة ومتوعد بالوعيد الشديد، لكن لا يكفر إلا إذا استحله، فإذا استحله كفر.

فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فانطلقا، فلما جاوزا المنقلة وهي المرحلة من السفر يقطعها المسافر في نحو يوم قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف:٦٢].

قال الفتى وذكر: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} [الكهف:٦٣])].

قال ابن عباس: (فظهر موسى على الصخرة، حتى إذا انتهيا إليها فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى فرد عليه العالم السلام، ثم قال له: ما جاء بك؟! إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً)].

فهذا موسى عليه السلام -وهو نبي الله وكليم الله، وهو الذي آتاه الله التوراة، وهو في الفضل بعد إبراهيم ومحمد عليه الصلاة والسلام- يأتي إلى الخضر ويتواضع ويقول: جئتك لتعلمني، والله تعالى قال: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:١١٤]، وهذا يدل على فضل العلم وشرف العلم، وأن الإنسان لا يزال يطلب العلم مهما بلغ، ولهذا قال بعض العلماء: من المحبرة إلى المقبرة.

يعني: لا يزال الإنسان يستفيد من العلم مهما بلغ فيه، وقد كان سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه كثيراً ما تمر عليه في الدرس بعض الأشياء ويقول: هذه أول مرة أسمعها، وهذه أول مرة تمر علي.

وهو -رحمة الله عليه- معروف باستغلاله الوقت وإمضائه الأوقات الطويلة في التعلم والتعليم، ومع ذلك يقول هذا.

وهذا موسى كليم الله آتاه الله التوراة، ومع ذلك يقول للخضر: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً.

يريد أن يتعلم ويستفيد ويجلس مجلس المتعلم، وقد قال العلماء: إن الإنسان لا ينبل حتى يأخذ ممن فوقه وممن دونه وممن هو مماثل له؛ فقد يكون عند الطالب ما ليس عند المدرس في بعض الجزئيات، فيستفيد، ولا يزال المرء يستفيد، ولا يستنكف طالب العلم من الفائدة التي يحصل عليها، سواء أكانت ممن هو دونه، أم ممن هو فوقه، أم ممن هو مماثل له.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، وكان رجلاً يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى، قال: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) أي: إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم].

هذا مما يؤيد أن الخضر نبي يوحى إليه، فقد كان يعلم علم الغيب مما علمه الله، ويرى أكثر العلماء أن الخضر عبد صالح وليس نبياً، والقول الثاني لأهل العلم بأنه نبي هو الصواب، وإن كان خلافاً لقول الأكثرين، وهذا المذكور مما يؤيد القول الثاني، كما يؤيده تلك الأمور العظيمة التي فعلها الخضر، ولا يمكن أن تصدر إلا بوحي، أي: كونه يخرق السفينة ويقتل غلاماً -وهو أشدها- وغير ذلك.

أما من قالوا: إنه رجل صالح فقالوا: هذه الأمور كانت بإلهام.

وهذا القول فيه فتح باب للصوفية الذين يفعلون الفواحش ويقولون: هذا بإلهام.

والصواب أن الخضر نبي يوحى إليه، ويؤيد هذا أنه قال في آخر القصة: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، أي: لم أفعل إلا عن أمر الله.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [{قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف:٦٩]، وإن رأيت ما يخالفني {قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ} [الكهف:٧٠]، وإن أنكرته {حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف:٧٠]، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما، فلما أطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقاراً له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى ورأى أمراً أفظع به: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا *