للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يتضاءل العقل بينهما، ويتَفيَّل الرأي دونهما، ثم هو يجري في اللهو مخلوع العذار لا عاصم له من عقل ودين، حتى إذا آنس منها ما يكره، وأنزل من أمرها على ما يريب، طاش لبه وانخلع قلبه، والْتَفَع بقناع العار وجهه، وحملها من التبعة ما لو حمل نفسه اليسير الدنيَّ منها لبلغ نظام الكون أقصى مداه من الكمال. ولكنه أساء إلى نفسه، فأساء إلى عشيرته، وتنكب الطريق السوي، فعمت النكبة، وتوالت المثُلات وما ظلمهُم الله وَلكن أنْفُسَهُم يظلمِون.

ذلك مثل ما يختلج بنفوس القوم الذين وهنت إرادتهم دون نزعات أهوائهم وناءت نفوسهم بعقبى جرائرهم، والرجل العربي أبعد ما يكون عن هؤلاء. إن الذي يكْلمُ

العربي في سيرته، ويرميه في عفته، إنما يطعنه في أمَسَّ صفاته به وأبقاها أثراً فيه؛ التي أُرهفت عليها، وشرفه الذي يموت وهمته التي تضطرم بين جنبيه.

إن الرجل الذي يتأثر النساء في مسيرهن، ويجعل همه ابتغاءَ المهنيات منهنّ جبان، ساقط الهمة، مغمور العرض، وليس العربي في شيءٍ من ذلك.

لقد كان الرجل من هؤلاء يزهيه ويهز عطفيه أن يمتدح بعفة المئزر أكثر مما يكون لو مدح بشجاعته واعتزامه. وكان إلى ذلك مرجع فخره بنفسه وتمدحه بشمائله لأن مغالبة النفس، وقمع الهوى أدل على الشجاع، وأمثل به من مغالبة الأسد في غبلها واقتياد العُصم من جوها.

على أننا لا نكْذبُ التاريخ، ولا نَتَبغّى المحال، فنقول إن العرب سنَّيهم ودينهم، شريفهم ومشروفهم، كانوا على سواءٍ في اطراح المآثم واجتناب المحارم،

<<  <  ج: ص:  >  >>