للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[دعاء أصحاب القبور شرك أكبر]

قال الشارح رحمه الله: [ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسناً إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سداً للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجراً، ومن أعظم الهجر الشرك عندها قولاً وفعلاً].

أما دعاؤهم سواءً دعاهم للشفاعة، أو دعاهم بأن يتوسطوا له عند الله في شيء حاضر، أو دعاهم استقلالاً؛ فهذا هو الشرك الأكبر، أما دعوة الله بهم كأن يقول: يا رب! أسألك بوليك الفلاني، أو أسألك بنبيك، أو أسألك بجبريل، أو أسألك بفلان وفلان؛ فهذا وإن لم يكن شركاً إلا أنه من البدع التي تكون طريقاً إلى الشرك، لأننا قلنا: إن الأصل في العبادة أن تكون مشروعة وإلا فهي باطلة، وهذا لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، ولم يأمر به، ولم يقره، بل نهى عنه، فإذاً هو ليس مشروعاً، بل هو من البدع، فسؤال الله بالغير بدعة لا تجوز، أما أن يسأل الغير أن يتوسط له عند الله فهذا شرك، ولا أحد يعتقد أن أحداً من الخلق مشارك لله في الملك والتصرف، هذا لا يوجد؛ لأن الأمر في هذا ظاهر جلي، فالله هو المتصرف وحده، فالذي يسأل الميت أو الغائب، أو يسأل الحي الموجود ما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، فهذا أشرك بالله جل وعلا شركاً أكبر، ولكن كونه يسأل الله به فيقول: أسألك بفلان أو بجاه فلان فهذا بدعة، وهو سؤال بشيء أجنبي عنك، لا صلة لك به، كقول كثير من الناس: نسألك -يا ربنا- بجاه نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذا قيل له: هذا ما يصلح، قال: أليس للنبي صلى الله عليه وسلم جاه عند الله عظيم؟ نقول: بلى، له جاه عظيم عند الله جل وعلا، ولكن الله جل وعلا ما أمرنا أن نسأله بجاهه، وجاهه كعمله، فهل يسوغ لك أن تسأل الله بعمل فلان، أو بحج فلان، أو بصلاة فلان، أو بصوم فلان؟ ما يصلح؛ لأن صومه له، وحجه له، وعمله له، وكذلك جاهه له، والجاه نتيجة العمل، فمن كان أتقى لله وأعبد كان جاهه أعظم عند الله.

فالمقصود أن من الناس من يتعلق بالخلق دائماً، إما أن يسألهم، وإما أن يسأل بهم، أما سؤالهم بأن يتوسطوا له عند الله، أو يعطوه مطلوبه، أو يزيلوا عنه مرهوبه، فهذا شرك أكبر، وأما سؤال الله بهم فهذا بدعة قد تجر إلى الشرك، وتكون وسيلة إلى الشرك.