<<  <  ج: ص:  >  >>

[نشأة المماليك المعزية وتعكر العلاقة بين الملك المعز والمماليك الصالحية]

بدأت شجرة الدر تحكم من وراء الستار، وهي مؤيدة بالمماليك الأقوياء، وبالذات فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس، ولكن يبدو أن ذكاء شجرة الدر قد خانها عند اختيار ذلك الرجل الملك عز الدين أيبك، فهذا الرجل لم يكن بالضعف الذي تخيلته شجرة الدر، بل بالعكس، فقد كان في منتهى الذكاء، وقد عرف خطورة إخوانه من المماليك البحرية، وخطورة شجرة الدر، فبدأ يرتب أوراقه في حذر شديد، فلم يصطدم بـ شجرة الدر أو زعماء المماليك البحرية في أول أمره، بل بدأ يعد العدة في تدرج، وبدأ يشتري مماليك خاصة به، ويعدهم كقوة مملوكية عسكرية تدين له شخصياً بالولاء، وانتقى من مماليك مصر من يصلح لهذه المهمة، وكون ما يعرف في التاريخ بالمماليك المعزية نسبة إليه، ووضع على رأس هذه المجموعة أبرز رجاله وأقوى فرسانه وأعظم أمرائه مطلقاً، وهو سيف الدين قطز رحمه الله، وهذا أول ظهور تاريخي للبطل الإسلامي الشهير سيف الدين قطز، فقد كان يشغل مركز قائد مجموعة المماليك الخاصة بالملك المعز عز الدين أيبك.

وإن شاء الله في الدرس الآتي سوف نتعرف على أصل سيف الدين قطز وكيف وصل إلى هذه المكانة.

ومع أن الملك المعز عز الدين أيبك نفسه من المماليك البحرية، إلا أن المماليك البحرية بدءوا يغارون منه بشدة، وبدأت تظهر عوامل كبيرة جداً من الحسد بين الطائفتين، فـ الملك المعز لم يكن له أي قيمة في المماليك البحرية، ومع ذلك وصل إلى كرسي الحكم في مصر، وهناك من المماليك من كانت له القوة والباع والتاريخ، ولم يصل إلى ما وصل إليه، فهذا يلقب بـ الملك المعز عز الدين أيبك، وهؤلاء يلقبون بالمماليك، وشتان! فظهرت عوامل الغيرة والحسد من المماليك، وبالذات من فارس الدين أقطاي، وكما يقول المقريزي في كتابه (السلوك لمعرفة دول الملوك): لقد بالغ فارس الدين أقطاي في احتقار أيبك والاستهانة به، فكان يناديه باسمه مجرداً من أي ألقاب، ويقول له: يا أيبك! فهذه المعاملة من أقطاي جعلت عز الدين أيبك يحس من داخله أن المماليك البحرية، وقد يكون الشعب من ورائهم ينظرون إليه على أنه مجرد زوج للملكة المتحكمة في الدولة، مما جعله جدياً يفكر في التخلص من زعماء المماليك البحرية، ومع ذلك لم يتسرع.

مرت بعض الشهور والسنوات وحدث لقاءان كبيران بين الجيش المصري والجيش الشامي، فقد حاول الجيش الشامي أن يغزو مصر أكثر من مرة، وقد انتصر الملك المعز مرتين انتصاراً باهراً على الشاميين، بل وضم فلسطين مرة أخرى إلى مصر، وكانت الشام قد انفصلت عن مصر بعد وفاة الملك الصالح رحمه الله.

ثم بدأ يعيد من جديد تكوين الدولة التي تركها الملك الصالح أيوب رحمه الله، وهذا العمل رفع من قيمته جداً عند الشعب المصري.

<<  <  ج: ص:  >  >>