<<  <  ج: ص:  >  >>

[حزم سيف الدين قطز في الإدارة]

مع أن قطز رحمه الله قد استخدم الأخلاق العالية والأهداف النبيلة في تجميع القواد والعلماء حوله، إلا أنه لم يتخل عن حزمه في الإدارة، فـ قطز رحمه الله لم يكن رجلاً طيبًا فقط، يقول هذه الكلمات وليس عنده فنون الإدارة والسياسة والقيادة، بل كان حازماً جداً رحمه الله، فقد عزل الوزير ابن بنت الأعز المعروف بولائه الشديد لـ شجرة الدر، وولى بدلاً منه وزيراً آخر كان يدين له بالولاء، وكان يثق في قدراته وإمكانياته، وهذا الوزير الجديد كان اسمه زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع، وفي ذات الوقت أقر قائد الجيش فارس الدين أقطاي الصغير الصالحي في مكانه، وهو ليس فارس الدين أقطاي الذي تكلمنا عليه من قبل، فـ فارس الدين أقطاي الأول كان قد قتل قبل ست سنوات سنة (652) من الهجرة.

فـ قطز ولى قائداً من قواد المماليك البحرية، مع شدة الخلاف بين الطائفتين، لكن عندما وجد فيه الكفاءة العسكرية والقدرة على القيادة والأمانة والصدق -وهي مؤهلات ضرورية لأي إمارة- ولاه، وبذلك نجد أن قطز رحمه الله قد حفظ الأمانة، ووسّد الأمر لأهله، بغض النظر عن كونهم من المماليك البحرية أو المعزية، وهذا تجرد واضح من قطز رحمه الله، كما أنه أيضاً يعتبر ذكاء سياسياً من قطز رحمه الله؛ لأنه بتولية هذا الرجل من المماليك الصالحية قيادة الجيش، استمال قلوب المماليك البحرية الذين فروا إلى أنحاء الشام وتركيا، وبث الاطمئنان في نفوسهم، وهذا ولا شك سيؤدي إلى استقرار الأوضاع في مصر، كما أنه سيستفيد من الخبرات العسكرية الفذة للمماليك البحرية، وأوجد بذلك فرصة للتعاون مع المماليك البحرية.

وعلم قطز رحمه الله أن الناس إن لم يشغلوا بالجهاد شغلوا بأنفسهم، ولذلك فبمجرد أن اعتلى عرش مصر أمر وزيره زين الدين وكذلك قائد الجيش فارس الدين أقطاي الصغير الصالحي أن يجهزا الجيش ويعدا العدة وينظما الصفوف، وانشغل الناس كلهم بهذه الغاية النبيلة والمهمة الخطيرة: الجهاد في سبيل الله.

إذاً: الخطوة الأولى في سياسة قطز رحمه الله كانت السيطرة على الوضع الداخلي للبلاد، وشغل الناس بالقضايا المجمعة للأمة، وإبراز الهدف الحقيقي من السلطان، وهو إقامة الشرع، والدفاع عن البلاد، والقيام بشئون الرعية، وحماية مصالح العباد، وأنه ليس من مطالب الحكم أبداً، ولا من أغراضه، جمع المال أو ضمان توريث الكرسي للأبناء أو أبناء الأبناء، ولذلك استقرت الأحوال الداخلية في مصر، وتوحد الصف الداخلي، وهذه خطوة عظيمة جداً وأساسية ومحورية في بناء الأمة.

<<  <  ج: ص:  >  >>