للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[المحبة ومعناها]

أخية! إن أول علامات الإيمان: هو حب الله جلا وعلا, وحب رسوله صلى الله عليه وسلم, ولما كثر المدعون في المحبة, طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى, قال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:٣١]، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله, وأقوله, وأخلاقه.

اسمعي يا رعاك الله! ماذا قالوا عن المحبة التي هي من مقتضى وشروط لا إله إلا الله: قال عبد الله القرشي: المحبة هي أن تهب كلك لمن أحببت, فلا يبقى لك منك شيء.

معنى كلامه أن تهبي إرادتك، وعزمك، وأفعالك، ونفسك، ومالك، ووقتك لمن تحبينه، وتجعليها حبساً ووقفاً في مرضاته ومحابه، فلا تأخذي لنفسك منها إلا ما أعطاك هو, فتأخذيه منه ومن أجله.

قالوا: المحبة: الميل الدائم في القلب الهائم.

وقالوا: المحبة: إيثار المحبوب على جميع المصحوب.

ومن أجمل ما قيل ما ذكره أبو بكر الكتاني قال: جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام الموسم, فتكلم الشيوخ في المحبة، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه, ثم قال: المحب عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله، ولله، ومع الله.

فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد.

المحب الصادق إذا تكلم فمن أجل الله، وإذا سكت فمن أجل الله، وإذا أعطى فمن أجل الله، وإذا منع فمن أجل الله, فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ وقالوا: ما على هذا مزيد.

ذكر ابن القيم رحمة الله عشرة أمور توصل إلى محبة الله تبارك وتعالى أولها: قراءة القران، والتدبر، والتفهم لمعانيه، وما أريد به.

ثانياً: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض.

ثالثاً: دوام ذكره على كل حال بالقلب واللسان.

رابعاً: إيثار محابه على محابك.

خامساً: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته.

سادساً: مشاهدة بره، وآلائه، وإحسانه، ونعمه الظاهرة والباطنة.

والسابع: - وهو أعجبها كما قال - انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى.

تاسعها: الخلوة به وقت النزول الإلهي، لمناجاته وتلاوته كتابه، والوقوف بالقلب، والتأدب بأدب العبودية بين يديه.

عاشرها: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما تنتقى أطايب الثمرات.

عاشراً: مباعدته كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.

وإليك مزيداً من أخبارهم، وقولي وكرري: أين نحن من هؤلاء؟