تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[احتقار الآخرين]

من مظاهر هذا الغرور: احتقار الآخرين، وكما يقولون: الغرور مقبرة النجاح، تجد إنساناً والله لا مكانة له ولا منزلة، ولا مرتبة ولا علم ولا درجة، ومع ذلك تجده يحتقر الآخرين، ولا يعني هذا أن من كان في منزلة ومرتبة ودرجة ومكانة وهيئة أن يحتقر الآخرين، لكن هذا مثلما يقال: عائل مستكبر.

فما هي مقومات الغرور التي عندك؟ نحن قلنا: القوة قد تفضي إلى الغرور، لكن للأسف أنك تجد كثيراً من الناس رغم ضعفهم وفقرهم ومستواهم إلى آخره تجدهم مع ذلك مغرورين.

إذاً يظهر هذا الغرور من خلال احتقار الآخرين، ومعروف أن القليل يسلمون على الكثير، والماشي يسلم على الراكب أو على الواقف، فتجده يمر ويشمخ بأنفه ويلفت برأسه وكأنه لا يرى أحداً، أو كأنه لا يرى إلا الذر أمامه ولا يقيم لمن حوله وزناً أبداً.

يا أخي! لماذا التطاول، ولماذا الغرور، وأي درجة بلغتها حتى تشمخ بأنفك؟ مغتر بنفسك ولا تؤدي التحية للآخرين! احتقار الآخرين في مجالات كثيرة: احتقار الآخرين في آرائهم، احتقار الآخرين في كلامهم، تجده في مجلس، فيتكلم أحد الناس نحوه، وهو لا ينظر إليه، وما عنده استعداد ليسمع له، من هو هذا حتى يفتح فمه في هذا المكان، لماذا يا أخي؟! أحرام عليه أن يقول، وحرام عليك أن تسمع؟ لماذا تحتقره أليس بشراً مثلك؟ أليس له عينان ويدان ورجلان وأنف واحد؟ ما الذي ميزك وفرق بينك وبينه؟ لا فرق بينك وبينه إلا بالتقوى.

إذاً من مظاهر الغرور أن تجد الإنسان محتقراً للآخرين، وكما قلنا في مسألة سماع آرائهم والالتفات إلى كلامهم، فتجده بكل سهولة عنده استعداد لأن يقطع كلامه، وأن يذهب ويتركه يتحدث لوحده، وبكل سهولة تجده ينشغل، هذا غرور عميق جداً في النفس قد لا يشعر به، وإلا لو أعطى محدثه وزنه وقدره، وأعطى نفسه وزنها وقدرها لما اغتر بنفسه لهذه الدرجة من الغرور التي جعلته ينصرف عن سماع كلامه وعن رأيه، وأذكر قصة، قالوا: إن رجلاً صعلوكاً فقيراً وقف لملك من الملوك، فكان ذلك الملك في موكب لا يمكن أن يقف به أمام هذا الصعلوك، فالتفت إليه ذلك الرجل الفقير، وقال: اسمع! لقد وقف الهدهد يكلم سليمان عليه السلام، فاستمع سليمان للهدهد، ومن أنت حتى لا تسمع لي؟ فعجب الملك من بلاغة بيانه وخطابه، وتوقف وسمع كلامه حتى انتهى.

أحياناً أنت تعرف شخصاً، وأنه هذا فلان بن فلان، وقد يجمعك به النادي، أو يجمعك به زواج، أو مسجد أو مكان ما، ومع ذلك: ما عندك استعداد تعترف أن فلاناً موجود أبداً، وهذا مرضٌ خطيرٌ في النفوس من جانبين: جانب حب الشهرة، وجانب احتقار وازدراء الآخرين، وفيه مسة من مس الكبر.

حصل أن هشام بن عبد الملك كان يطوف بالبيت، ورأى زين العابدين بن الحسين بن علي وقد كان من العباد الزهاد الأئمة الأعلام الفقهاء ومن آل البيت، وكان الفرزدق في نفس ذلك المقام، فكانوا يطوفون حول البيت، فقال هشام بن عبد الملك: من هذا؟ وهشام يعرف أنه زين العابدين بن الحسين بن علي إلى آخر شيء، فالتفت الفرزدق قائلاً:

وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم

هذا ابن خير عباد الله قاطبة هذا التقي النقي الطاهر العلم

ما قال (لا) قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم

يغضي حياءً فيغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم

فتمنى هشام بن عبد الملك أنه ما ازدراه وما التفت إليه، لأن زين العابدين نال بهذا السؤال مدحاً ومكانة ومنزلة، وما كان من الذين يشتهون المدح أو الشهرة، لكن حينما تجد من يزدري في الحقيقة فذلك نابع من الغرور والكبر والحسد، ولله در الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله، وكما قال الشاعر:

وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود

حينما يريد حاسد من الحاسدين فيه غرور أن يحتقرك وأن ينزل من مقامك، فيسوقه الله جل وعلا للكلام عنك ازدراءً، فإذ بالمقابل تجد في نفس المجلس من يذود عنك ويدافع، ويذب عن عرضك، فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، إذاً فالذين يغترون بأنفسهم ويحتقرون الآخرين هم في الحقيقة لا يعودون بالاحتقار إلا على أنفسهم.

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير