للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم]

نود منكم أن تسبحوا بنا في بحر من الإيمان وفي بحر من العلاقة مع الله سبحانه وتعالى والحب للمصطفى صلى الله عليه وسلم، فتفضلوا بارك الله فيكم.

إن الإنسان إذا أدرك يقيناً أنه عبد لربه تبارك وتعالى وابن عبد وابن أمة، انتصب لما أمره الله جل وعلا به وأذعن لما بلغه الله جل وعلا إياه على ألسنة رسله.

وإن مما أفاءه الله علينا -معشر المسلمين- أن جعلنا حظاً لهذا النبي عليه الصلاة والسلام من الأمم، كما جعله صلوات الله وسلامه عليه حظنا من النبيين، وهو عليه الصلاة والسلام بشارة أخيه عيسى، ودعوة أبيه إبراهيم من قبل، ورؤيا أمه التي رأت حين وضعته أن نوراً خرج منها أضاءت له بصرى من أرض الشام، فصلوات الله وسلامه عليه.

والحديث عنه ليس كالحديث عن كل أحد من الخلق وإن كان صلى الله عليه وسلم من جملة الخلق، كما قال: (إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، فلا نتعدى به ما وضعه الله جل وعلا فيه من المقام الرفيع والمنزلة الجليلة، إلا من رحمة الله جل وعلا بنا أن جعلنا من أمته، نسأل الله الثبات على ذلك حتى الممات، وأن يحشرنا الله جل وعلا يوم القيامة في زمرته.

نسمع المؤذن كثيراً يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) فتتعلق قلوبنا وتهفو أفئدتنا إلى ذلك المعنى الجليل الذي ينطوي تحت هذه الشهادة المباركة، وإن أعظم ما يفيء إلينا أن الإنسان يتمنى لو قدر له أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن هذا أمر قد مضى بقدر الله جل وعلا، ونحن دائماً وأبداً مذعنون لقضاء الله جل وعلا وقدره، فقد فاتنا شرف الصحبة وبقي لنا شرف الاتباع.

أقول: إن قول المؤذن: (أشهد أن محمداً رسول الله) يضع المؤمن أمام تاريخ مجيد وشخصية فريدة، وعبد أثنى الله جل وعلا عليه في الملأ الأعلى، بل جعله الله جل وعلا أمنة لأهل الأرض من العذاب، قال الله جل وعلا عن طغاة الأرض يومئذ وهم كفار قريش: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال:٣٣] صلوات الله وسلامه عليه، مع أن تعذيب الأمم السابقة سنة ماضية لم تتغير إلا بعد مبعثه صلوات الله وسلامه عليه.

كما أنه عليه الصلاة والسلام عرج به ربه بواسطة جبريل إلى الملأ الأعلى والمحل الأسمى، وتجاوز مقاماً يسمع فيه صريف الأقلام، كل ذلك من احتفاء الله وإظهار كرامة هذا النبي عند ربه جل وعلا، ولقد قال الله على لسان الخليل إبراهيم أنه قال لأبيه: {سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:٤٧] فكيف الاحتفاء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان خليل الله إبراهيم لا يبعد كثيراً عن منزلة نبينا صلوات الله وسلامه عليه؟