للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[فصاحة شعيب عليه السلام وحكمته في دعوة قومه]

العظة الأولى: خطيب الأنبياء.

بعث الله جل وعلا الرسل رحمة بعباده، وكانوا كما أخبر عليه الصلاة والسلام جماً غفيراً، وخلقاً كثيراً، منهم أربعة من العرب فقط، ذكرهم عليه الصلاة والسلام حينما قال لصاحبه أبي ذر رضي الله عنه: (هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر).

وشعيب عليه الصلاة والسلام دل ظاهر القرآن، وذهب كثير من العلماء إلى أنه منعوت موصوف بأنه (خطيب الأنبياء) إذ كان يقرع الحجة بالحجة، ويبين لقومه بلسان عربي مبين، ما هم فيه من الضلالة وما يدعوهم إليه من الحق، ومن تأمل مسلكه في كتاب الله جل وعلا وطريق دعوته لقومه تبين له إصابة ما ذهب إليه جماهير العلماء من نعته عليه الصلاة والسلام بأنه خطيب الأنبياء، قال الله جل وعلا: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:٨٥].

دعاهم أول الأمر إلى ما دعت إليه الرسل أجمعون، من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فلا معروف أعظم من التوحيد، ولا منكر أعظم من الشرك.

ثم لما كان حصيفاً عاقلاً خاطبهم بالمنكر الظاهر فيهم غير الشرك وهو: (التطفيف في الكيل والميزان)، فكانوا قوماً يأخذون الزائد ويعطون الناقص.

والداعية الموفق المسدد إنما يخاطب كل قوم بالمنكر الذي هم فيه, فقد تصلح خطبة جمعة في مكان ولا تصلح في مكان آخر، وتنفع هذا الحي وقد لا تنفع آخرين في حي آخر، وقد يكون في مدرسة أو دائرة حكومية منكر بعينه، يجب توجيه الخطاب إليه، لكنه غير موجود في دائرة أو مدرسة أخرى، وأنبياء الله عليهم السلام كل منهم يدعو إلى التوحيد ثم يحذر قومه من المنكرات الشائعة إبّان بعثته بينهم بأمر الله تبارك وتعالى.

فلما عرض عليهم ما عنده نالوا منه بتهكم وسخرية: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:٨٧].

كلام يراد به الاستفزاز وإخراج الداعية عن طوره؛ ولكنه صلوات الله وسلامه عليه بقي صلباً ذا سكينة وهدوء، يدرك ما يقول (وما كل من أذَّن لك يجب أن تقيم له) فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه دون أن يتغير خطابه: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:٨٨].

كلمات جميلة في مبانيها ومعانيها، ذكرهم بنعمة الله عليه من النبوة والرسالة، وبأنه واضح المنهج، مؤيد بالوحي، وأنه لا يريد التميز عنهم: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود:٨٨]، أي: فأنا منكم وبكم، حتى لا يشعر قومه أنه يريد أن يتفرد بمنصب أو أن يعلو عليهم لأمر أو لآخر.