للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[إثبات صفة اليد]

قال: يا شعيب بن حرب! إذا وقفت بين يدي الله عز وجل فسألك عن هذا الحديث فقل: يا رب! حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري , ثم خل بيني وبين ربي عز وجل.

قوله: وقفت بين يدي الله, إثبات لصفة من صفات الله جل وعلا ألا وهي صفة اليد, وهي صفة ذاتية, ومعنى الصفة الذاتية أنها أزلية أبدية لا تنفك عن الله جل وعلا, وهذه الصفة تسمى صفة خبرية, وضابطها أن مسماها عندنا أجزاء وأبعاض.

فالعين جزء مني، فإذاً تكون صفة لله جل وعلا خبرية؛ لأن مسماها عندي بعض وكذلك الرجل واليد, وهذه الصفات خبرية لأن مسماها عندنا أبعاض وأجزاء.

صفة اليد صفة ذاتية خبرية, ومعنى خبرية أي لا يمكن إعمال العقل فيها, ولو لم يرد النص بها لا يمكن أن نثبتها لله جل وعلا.

والصفات الفعلية يقرها العقل؛ لأنك تقول: إذا فعلها العبد وكانت صفة كمال له فمن باب أولى أن يتصف الله بها, أما الصفات الخبرية فلا تثبت بالعقل, بل تحتاج إلى دليل لإثباتها.

مثلاً: صفة اليد ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع, قال الله: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:١٠]، وقال الله جل وعلا: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:٦٤].

وقال تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥] وقال تعالى: {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس:٧١] وأما السنة ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يد الله ملأى لا يغيضها نفقة, سحاء الليل والنهار، يخفض ويرفع) سبحانه وتعالى.

وفي حديث رؤية أهل الجنة لربهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم يرفع الحجاب فيرون الله جل وعل) فينظرون إلى وجه الله, ولا يتنعمون نعيماً مثل هذا النعيم, نسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذا النعيم.

وأجمع سلف الأمة على أن الله جل وعلا له يد, وكيفيتها مفوضة إلى الله جل وعلا, لا نعلمها، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:١١]، ولابد من الإجابة عن بعض إشكالات.

الإشكال الأول: أن الله جل وعلا قال: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح:١٠] فأثبت أن له يداً واحدة, ثم قال الله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:٧٥] وقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:٦٤] فأثبت اثنتين, ثم قال: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس:٧١] فهل لله يد واحدة أم يدان أم ثلاث أم أربع أم خمس أم أكثر من ذلك؟

الجواب

قوله: (يد الله فوق أيديهم) (يد) مفرد مضاف: يد الله, والمفرد المضاف يعم -كما يقول أهل الأصول- المفرد هنا أو الواحدة لا تخالف الجمع في قوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس:٧١].

وكيف نجمع بين الاثنين والجمع؟ كما قال الله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة:٦٤].

و

الجواب

أن قول الله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} [يس:٧١] ليس للجمع ولكنه للتعظيم, ثم قال سفيان: إذا سألك الله جل وعلا فخل بيني وبين ربي.

وهذا فيه إثبات أيضاً للبعث قال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) [التغابن:٧] فأثبت الوقوف بين يدي الله جل وعلا, وهذا مصرح به في الأحاديث الكثيرة كما سنبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقف الله جل وعلا يكلم العبد ليس بينه وبينه ترجمان) يقف العبد بين يدي ربه يذكره, يقول: عبدي! أما تذكر ذنب كذا؟ ويقرره بذنوبه, فيقول العبد: أي رب! أي رب! فينظر العبد أيمن منه وأشأم منه لا يجد إلا النار، فلا يجد إلا ما قدم، فيظن أنه قد هلك, فيأتي الرحيم ويلقي عليه ستره, ويقول: عبدي قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها لك اليوم في الآخرة، نسأل الله أن نكون منهم, آمين يا رب العالمين.

أقول قولي هذا, وأستغفر الله لي ولكم.