فصول الكتاب

[مكانة أبي بكر الصديق عند الله]

سنتكلم عن مكانة الصديق عند ربه عند رسوله ومكانته عند صحابة رسول الله.

أبو بكر خير البشر على الإطلاق سوى الأنبياء والمرسلين رضي الله عنه وأرضاه، فهنيئاً له، كانت له الحظوة الأسمى والمكانة العظمى عند رب العزة جل وعلا.

يكفي أبو بكر فخراً أن الله يخاطب عبداً من عباده من آحاد المسلمين بلفظ الجمع للتعظيم والتفخيم ولإظهار مكانته العليا عنده، فقد قال الله تعالى فيه لما عزم على أن لا ينفق على مسطح وكان قريباً له، وقد تكلم في عائشة، فقال الصديق: والله! لا أنفق عليه، فأنزل الله جل وعلا معاتباً له ومبيناً مكانته، ومعظماً قدر هذا الرجل بين آحاد المسلمين، فقال الرب الجليل في حقه: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور:22] فقال: ((أُوْلُوا)): بلفظ الجمع يخاطب جل وعلا فرداً من عباده مربوباً ومخلوقاً من خلقه، ويقول عنه: ((أُوْلُوا الْفَضْلِ)) تعظيماً وتفخيماً وإشارة للبشرية أجمعين أن هذا هو خير البشر بعد الأنبياء والمرسلين.

ثم قال: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22] فقال أبو بكر مسارعاً: أحب أن يغفر الله لي، أحب أن يغفر الله لي.

ومن أروع الأمثلة أيضاً التي ضربت لبيان مكانته عند ربه جل وعلا، أنه لم يشهد الله لأحد من عباده بالإخلاص وهو يمشي على الأرض مثلما شهد لـ أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فقال جل وعلا: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} [الليل:17] فلقبه بالأتقى، وهو الأتقى على الإطلاق، فلا عمر ولا عثمان ولا علي بل لو اجتمعت الأمة بأسرها فلن تداني ولن تقارب مكانة هذا الصديق.

قال الله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل:17 - 21].

نتيجة عظمى بعد ذلك، كأن الله يقول: أنت الأتقى وأنت الأخلص وستثاب على ذلك في الآخرة، فأشار له إلى ذلك وهو يمشي على الأرض.

ومثله النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أشبه الناس بإبراهيم، فقال الله جل وعلا على إبراهيم: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ} [النحل:120 - 121] وهذا بيان أعظم صفات لإبراهيم، ثم قال: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:121].

فبعد أن بين صفاته الجميلة والعظيمة في الدنيا بشره أنه في الآخرة من الصالحين.

وانظروا إلى أبي بكر فهو أشبه ما يكون بإبراهيم عليه السلام، فقد بين الله صفاته العظيمة ثم بشره: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل:21]، ومعنى: يرضى أي: في الآخرة، ورضاه بينه رسول الله؛ ليبين مكانته عند الله، وأن الله سيكرمه ويشرفه ويعلي مرتبته في الآخرة في عرصات يوم القيامة من بني البشر من لدن آدم إلى آخر الخليقة، وتفتح أبواب الجنة الثمانية لـ أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، كأن كل باب ينادي تعال يا أبا بكر! ويتشرف بدخوله منه، وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لـ أبي بكر أن في الجنة باباً لأهل الصيام يقال له: باب الريان، وفي الجنة باب لأهل الصدقة، وباب للجهاد، وباب للصلاة، أي: للذين يكثرون من الصلاة؛ لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أعني على نفسك بكثرة السجود).

فقال أبو بكر صاحب الهمة العالية، وصاحب العظمة في الطلب الذي طمع في الكريم: (يا رسول الله! هل لواحد من البشر أن تفتح له هذه الأبواب كلها؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وأرجو أن تكون أنت).

فهذه بشارة من الله، ووحي من الله لرسوله، يبين مكانة أبي بكر عند الله جل وعلا، وأن أبواب الجنة الثمانية تفتح لـ أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

ومما يظهر مكانة أبي بكر نزول جبريل خصيصاً ليبلغه السلام من ربه جل وعلا، وذلك أن الله جل وعلا أنزل جبريل يقول لرسول الله -وأبو بكر أمامه عليه ثياب رثة-: (قل لـ أبي بكر: إن الله يقرؤك السلام.

فقال له الرسول: إن الله يقرؤك السلام.

قال: وقل له: إن ربك عنك راضٍ، فهل أنت عن ربك راضٍ؟ فبكى أبو بكر، وقال: والله! إني عن ربي راضٍ، إني عن ربي راضٍ).

فله المكان الأسمى عند الله جل وعلا، وله أيضاً الحظوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالصاحب الصاحب هو أبو بكر، والخليل الخليل هو أبو بكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).