للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ما ورد عن التابعين في زيادة الإيمان ونقصانه]

[قال يعقوب بن إبراهيم: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أنا أقول إن الإيمان يتفاضل]، وهذا مذهب السلف، [وكان الأوزاعي يقول: ليس هذا زمان تعلم هذا، هذا زمان تمسك].

الإمام الأوزاعي من سادات الدنيا في زمانه تمسكاً بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، كان إمام هدى وإمام سنة.

قول عبد الرحمن بن مهدي: أنا أقول أن الإيمان يتفاضل هذا قول ثابت عن الأوزاعي أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه، والأوزاعي وهو إمام الشام في زمانه دخل في معترك عظيم جداً مع الحجاج بن يوسف الثقفي فكانت فتنة عظيمة جداً، وتفرد الأوزاعي في زمانه بتكفير الحجاج، أي: أن الأوزاعي في زمانه وحده هو الذي تفرد بإطلاق الكفر المخرج من الملة على الحجاج بن يوسف الثقفي وكانت فتنة عظيمة جداً، أدت بالإمام الأوزاعي أن يقول هذا القول، وأن يقول: زيادة الإيمان ونقصانه كان من قبل، أي: في زمن التابعين وزمن الصحابة، أما في زمن الأوزاعي وهو من أتباع التابعين فقال: كل منا له قليل من الإيمان يجب أن يحافظ عليه، يعني: لا يطمع أحد في الزيادة، ولكن الذي عنده شيء من الإيمان يحافظ عليه هذا القول في ذاته يدل على أن الإيمان عند هذا الإمام يزيد، لأنه لو كان الإيمان عنده لا يزيد ولا ينقص لما قال: وهذا زمان تمسك.

أي: هذا الزمان يجب فيه أن يتمسك المرء بما عنده من دين، لأنه لو لم يكن عند الإمام لا يزيد وينقص فلماذا يتمسك به؟ فهو سواء تمسك به أو لم يتمسك لا يزيد ولا ينقص، فلو أن الإيمان عند الإمام لا يقبل الزيادة ولا النقصان فما قيمة التمسك به والمحافظة عليه؟ إذا كان حافظ عليه أو لم يحافظ عليه فهو لا يزيد ولا ينقص! فهذا القول من الإمام يدل على الغالب الذي وصل إلى الإمام.

[وقال الحسن في قول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء:٦٦].

قال: قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لو فعل ربنا لفعلنا].

أي: لو أن ربنا أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، [فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي)]، وهذا حديث مرسل، وهو من أحاديث الحسن المرسلة إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

[قال ابن بطة: وفي هذا الحديث ما يدل العقلاء على تفاضل الإيمان وزيادته، ودرجاته في قلوب قوم دون آخرين، وذلك أن الله عز وجل حينما علم من تمكن الإيمان من قلوب قوم اختصهم بزيادته على آخرين، قال: ((مَا فَعَلُوهُ)) ثم استثنى المفضلين بالإيمان، فقال: ((إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ)) كما قال في أصحاب طالوت].

و [أن أبا الدرداء كان يقول: من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أم منتقص؟]، أي: أن من فقه العبد مع ربه أن يعلم هو في زيادة أم في نقصان، [وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه؟] أي: من أين تأتيه وكيف تأتيه؟ والأفضل في معرفة نزغات الشيطان وسبله ومداخله: إغاثة اللهفان لـ ابن القيم، وتلبيس إبليس لـ ابن الجوزي، فهذا له طعم وذاك له طعم، وأساليب الشيطان لا نهاية لها، ولا يزال العلماء يصنفون ويكتبون يحذرون الأمة من مداخل الشيطان.