للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[نتائج تحكيم العقل في أمور الشريعة]

قال: [ومن أعرض عنها وابتغى في غيرها مما يهواه -أي: يحب أن يميل إليه بهواه- أو يروم سواها مما تعداه؛ أخطأ في اختيار بغيته وأغواه -أي: وقع في الغواية والضلال- فسلكه سبيل الضلالة، وأرداه في مهاوي الهلكة فيما يعترض على كتاب الله وسنة رسوله بضرب الأمثال، ودفعهما بأنواع المحال، والحيدة عنهما بالقيل القال مما لم ينزل الله به من سلطان، ولا عرفه أهل التفسير واللسان، ولا خطر على قلب عاقل بما يقتضيه من برهان، ولا انشرح له صدر موحد عن فكر أو عيان، فقد استحوذ عليه الشيطان، وأحاط به الخذلان، وأغواه بعصيان الرحمن حتى كابر نفسه بالزور والبهتان.

فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب].

أي: أن أحدنا لو تفكر في الكون، فمرد ذلك كله إلى قدرة الله وعظمة الله وقوة الله، لكن هذا المسكين إنما يفكر في ذلك بعقله هو، فهو إذا سلك هذا المسلك فهو في النهاية لابد وأن يقبح القبيح؛ لأنه يعتمد على عقله، فيجعل الحسن والقبح مداره على العقل، فما كان عنده قبيحاً قبحه، وما كان عنده حسناً حسنه، وإن كان القبيح عنده عند الله حسن، وإن كان الحسن عنده عند الله قبيح.

قال: [فهو دائب الفكر في تدبير مملكة الله بعقله المغلوب وفهمه المقلوب بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن بظنه، أو بانتساب الظلم والسفه من غير بصيرة إليه، أو بتعديله تارة]، فهو يقول: هذا سفه، ولا يمكن أن يكون الله قد فعل هذا.

واعلم أن قوله: (ولا يمكن أن يكون الله فعل هذا به).

هذا ذر للرماد في العيون، وإلا فهو يريد أن ينكر وأن يعترض على الله عز وجل في مملكته وفي تدبيره وخلقه، ولذلك هو يعترض ثم يقول: لا يمكن أن يفعل الله هذا.

لكن ماذا تقول أنت؟ أنت أولاً استبعدت قدرة الله عز وجل، ثم تريد بهذا الاستبعاد -بزعمك- أن تنزه الله عنه، وفي الحقيقة أن الله هو الذي خلق ذلك.

كما قالت المعتزلة: القرآن مخلوق؛ لأن القرآن شيء.

فلما قام أهل السنة ونزهوا الله تبارك وتعالى ونزهوا صفاته أن تكون مخلوقة، قام عليهم المبتدعة من باب الذب عن الله وعن خلقه؛ لأن القرآن عندهم مخلوق.

فلما قال أهل السنة بغير مقالة المعتزلة حرشوا بأهل السنة عند السلاطين.

وهذا معلم ثان من معالم أهل البدع، فضلاً عن بعدهم وتحكيمهم لعقولهم في دين الله وفي شرع الله، فإنهم كذلك يحرشون بأهل السنة والجماعة عند السلاطين.

أما المعلم الثالث فهو: عداؤهم المستمر وبغضهم الدفين لأهل السنة والجماعة، وتحريشهم بأهل السنة عند السلاطين، وانحرافهم عن المنهج القويم.

قال: [وفهمه المقلوب: بتقبيح القبيح من حيث وهمه، أو بتحسين الحسن يظنه، أو بانتساب الظلم والسفه -إليه سبحانه- من غير بصيرة أو بتعديله تارة]، كلمة (أو بتعديله) هي قولهم: (من العدل كذا).

وأنتم تعرفون أن العدل هو أحد أصول المعتزلة، والمعتزلة لهم خمسة أصول منها: العدل، والتوحيد، -انظروا هذا الكلام الجميل- والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فهذه من أصول المعتزلة، فأنت لما تسمع هذا تقول: هؤلاء المعتزلة أهل توحيد! وأهل عدل! وأهل أمر بمعروف ونهي عن منكر! فلماذا هم مختلفون مع أهل السنة والجماعة؟

الجواب

لا.

العدل عندهم غير العدل عند أهل السنة، والتوحيد عندهم غير التوحيد عند أهل السنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ضوابط عندهم غير ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند أهل السنة، وسنتعرض لهذا كله عند الكلام عن طائفة المعتزلة.

ومن أصولهم أيضاً: قولهم بالمنزلة بين المنزلتين في شأن مرتكب الكبيرة.

قال: [أو بتعديله تارة كما يخطر بباله، أو بتجويره كما يوسوسه شيطانه، أو بتعجيزه عن خلق أفعال عباده فهو راكض ليله ونهاره -أي: المبتدع- في الرد على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والطعن عليهما].