للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)]

قال: [عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق].

وانظروا إلى هذا الكلام الجميل، فهو عليه الصلاة والسلام الصادق المصدوق، حتى وإن كان الأمر لا تستوعبه عقولنا، لكن ما دام أن الذي حدثنا به هو النبي عليه الصلاة والسلام فهو صحيح.

ثم أرأيت إلى إيمان الصحابة؟ فإنه ليس كإيماننا، تجد الواحد منا قد يقول: الشفاعة هذه ليست معقولة، والجنة والنار ليستا بمخلوقتين، وربما قال: لا أؤمن بالجنة أو النار حتى أرى رجلاً من أهل النار يخرج علينا، لطلع لنا واحد من أصحاب النار بعد أن رأى النار بعينيه فيقول: كان أبوك فيقول لنا: آمنوا بالنار والجنة؛ لأنني أنا رأيتها رأي العين.

لكن من رحمة الله عز وجل أنه لا يبعث الموتى إلا يوم البعث، وترك الناس بعد أن أنزل لهم الكتب، وأرسل لهم الرسل، ورزقهم العقل الراجح الذي يميزون به بين الحق والباطل بين الصواب والخطأ.

إذاً: فكل يعمل على شاكلته، فالذي يعمل خيراً يجد خيراً، والذي يعمل شراً يجد شراً، حتى وإن كان هذا الكلام لا تستوعبه عقولنا؛ لأنه يخفى الشيء الكثير عنها -أي: عن عقولنا- فأمور الغيب كلها لا تستوعبها عقولنا.

أي: حينما نقيسها بالعقل فإننا لا يمكن أن نستوعبها، فمثلاً إذا كان القبر قطعة من الأرض متر في مترين، والكافر يُضرب فيها بمزربة عظيمة حتى يغوص في الأرض سبعين ذراعاً، فكيف هذا؟! إن هذه الأمور تريد قلوباً مؤمنة مسلمة تقول: يا رب سمعنا وأطعنا، وهذا هو الابتلاء في الإيمان.

وأما بالنسبة للابتلاء في البدن فهذه مسألة سهلة جداً، بل لا يوجد أسهل منها، فتُضرب وتتألم وتعلق وتكهرب، كل هذه أشياء بسيطة؛ لأنك في النهاية تخرج، ولا سلطان لأحد على قلبك، إنما لو كان هناك سلطان على قلبك فهذه هي المصيبة السوداء، فيتحول قلبك من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، أو من الثبات إلى الزعزعة والشك، فتدخل بها النار والعياذ بالله.

إنما السلطان على البدن إذا أرادوا أخذه فليأخذوه، أما القلب فلا يفرط فيه المسلم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم -وهو النبي عليه الصلاة والسلام- كان دائماً يدعو ربه بقوله: (اللهم ثبتني على الإيمان).

لأنه يعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولذلك يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.

فيأتي له واحد ويقول له: نريد منك أن تفتي في المسألة الفلانية بأنها حلال -وهي حرام- فيأتي بأدلة ونصوص ويلويها ليحلل هذه المسألة، أو يأتي بمسألة حلال فيحرمها.

مع أنه يتهيأ لي أن الشيطان لا يستطيع أن يفكر بهذه الطريقة، فيعجز أن يلوي نصوص الرحمن، وإلا حينما خاطب الله عز وجل إبليس كان إبليس صريحاً في جحوده ونكرانه وكفره، بينما هؤلاء ليس عندهم صراحة، والمنافقين لم يبلغوا هذا المبلغ أيضاً.

قال: [(إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك)].

كل هذا الكلام غيب، ولهذا ابن مسعود قال: أنا مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عندي علم بهذا وما يجري داخل رحم المرأة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يتكلم إلا بالصدق، فهو صادق مصدق عليه الصلاة والسلام.

قال: [(ثم يبعث إليه الملك، ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه)].

ما الذي سيأخذه؟ وما هو الشيء الذي هو من نصيبه أو ليس من نصيبه [(وعمله)].

ماذا يعمل؟ حلال أم حرام؟ قد يعمل في الشركة الفلانية، ثم ينتهي عمله فيها، ثم يعمل في شركة أخرى.

[(وأجله)].

متى يموت؟ وكم يعيش؟ بالثانية الواحدة.

[(وشقي أو سعيد)].

ولذلك الذين يقولون: نحن الآن بالتكنولوجيا قد توصلنا إلى معرفة الجنين: أذكر أم أنثى؟ نقول لهم: لا بأس بهذا الكلام، والشرع لم يمنع منه، وإنما الإسلام تحدى أن تعرف كل شيء عن الجنين.

وأيضاً: مسألة الأجهزة التي تثبت الذكورة أو الأنوثة للجنين ليست صادقة في كل ما تقول، فربما تكون صادقة في معظم ما تقول، لكن قد تخطئ أحياناً، والذي لا يخطئ قط هو الله عز وجل.

ثم إذا علموا أنه ذكر أو أنثى فهل هذه الأجهزة تعلم شقاوته أو سعادته؟ هل تعرف أن هذا الجنين سيكون من أهل النار أم من أهل الجنة؟ لا تعرف.

وهل تعرف رزقه؟ أيضاً لا تعرف؛ لأن الأرزاق بيد الله عز وجل لا يعرفها إلا هو، كما أنهم لا يعرفون ماذا يعمل في المستقبل؟ لكن أحياناً الطبيبة تقول: أنا أعرف البنت هذه أو الابن هذا ماذا سيعمل؟ تقول لك: إنه طبيب مثلي، فهل جرت العادة على أن أبناء الأطباء مثل آبائهم؟ من الممكن أن يعمل عملاً آخر ممتهن وحقير، ويمكن أن يفقد عقله بشرب المخدرات وغير ذلك من البلايا التي تجعل أذكى الناس أغباهم، والمخدرات تدمر خلايا المخ تماماً، فلا يحصل على الإعدادية؛ لأن شرب هذه المادة يبدأ من سنة أولى ابتدائي، ويم