فصول الكتاب

<<  <   >  >>

تعارض الجرح والتعديل:

-[قال الحافظ: (والجرح مقدم على التعديل (3) إن صدر مُبَيَّنًا من عارف بأسبابه، فإن خلا عن التعديل قبل مجملا على المختار (4)).]-

تكلم الماتن - رحمه الله - هنا على مسألتين:

الأولى - عند تعارض الجرح والتعديل في الراوي الواحد، واشترط لقبول الجرح شرطين:

1 - أن يكون مُبَيَّنا.

2 - أن يصدر من عارف بأسبابه؛ لأن البعض قد يجرح بما لا يقدح أصلا كما سبق ذكر أمثلة على ذلك.

الثانية - أن يخلو الراوي من تعديل فهنا يقبل الجرح مجملا على المختار.

[تنبيه:]

دلَّ كلامه بمنطوقه في المسألة الأولى أن الجرح يقدم على التعديل مطلقا بشرط تحقيق ما ذكر، ودل بمفهومه أن الجرح يهمل إذا فُقد شرط من الشرطين، وأن التعديل هو الذي يعتمد. ومفهوم كلامه في المسألة الثانية أن الراوي إذا كان معدلا فإنه لا يقبل فيه الجرح المجمل.

وفي كل هذه الحالات ليس إلا اختيار واحد من الطرفين، وهو إما ترجيح جانب التعديل، أو جانب الجرح.

والأقوى أنه إن كان يمكن الجمع بين الجرح والتعديل فيقدم على الترجيح، كأن يكون مثلا يهم في فلان أو ضعيف في فلان فقط فهنا يعمل في حالته فقط.

وظاهر صنيع ابن حجر في التقريب أنه يلتزم حالة وسطا في بعض الحالات، وأنه وإن قدم التعديل إلا أنه لا يهمل الجرح مطلقا بل يراعيه وينقل الراوي من مرتبة عليا لمرتبة أدنى منها تبعا لحال الجارح والجرح.

قال الشيخ وليد العاني في "منهج دراسة الأسانيد" (ص/135): (من خلال دراسة هذه المرتبة في التقريب، ظهر أن ابن حجر سار على نهج مدروس عنده، قد وضع له ضوابط معينة.

لقد تعارف أهل الاصطلاح أن من كثر مزكُّوه، وقلَّ ناقدوه، قدِّم رأي الأغلبية على الأقلية، خاصة إذا كانت القلة غير معتبرة أساساً، أو أن جرحها لا يلتفت إليه، حيث تبين بالبحث والدراسة أن قول الأقلية مرجوح، أو أنه إنما قيل لسبب من الأسباب غير المعتبرة عند النقاد.

لكن ابن حجر - كما علمنا سابقا- اشترط أن يكون حكمه على الراوي شاملاً وعادلاً، والشمول يقتضي الإحاطة بكل ما قيل في الرجل من جرح معتبر أو غير معتبر، وتعديل معتبر أو غير معتبر ...

<<  <   >  >>