فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فأرسله (1)، لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي صلى الله عليه وسلم فيتجه أن يكون ناسخا (2)، بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قبل إسلامه (3). وأما الإجماع فليس بناسخ، بل يدل على ذلك (4)).

[الترجيح والتوقف بين المتعارضين:]

قال ابن حجر: -[(وإلا فالترجيح، ثم التوقف.)]-

وقال في "النزهة" (ص/218): (وإن لم يعرف التاريخ فلا يخلو: إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن، أو بالإسناد (5)، أو لا. فإن أمكن الترجيح تعين المصير إليه، وإلا فلا.

فصار ما ظاهره التعارض واقعا على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ

والمنسوخ، فالترجيح إن تعين، ثم التوقف (6) عن العمل بأحد الحديثين. والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة، مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه).

[المردود]

[المعلق والمرسل:]

قال الحافظ: (ثم المردود: إما أن يكون لسقط، أو طعن، والسقط إما أن يكون من مبادئ السند من مصنف أو من آخره بعد التابعي، أو غير ذلك. فالأول: المعلق، والثاني: المرسل).

[المعلق:]

قال في "النزهة" (ص/218): (والسقط إما أن يكون من مبادئ السند من تصرف مصنف (7) فهو المعلق، سواء كان الساقط واحدا، أم أكثر (8).

ومن صور المعلق: أن يحذف جميع السند ويقال مثلا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها: أن يحذف إلا الصحابي، أو إلا التابعي والصحابي معا. ومنها: أن يحذف من حدثه، ويضيفه إلى من هو فوقه، فإن كان من فوقه شيخا لذلك المصنف فقد اختلف فيه: هل يسمى تعليقا، أو لا؟ والصحيح في هذا التفصيل: فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضي به، وإلا فتعليق.

وإنما ذكر التعليق في قسم المردود للجهل بحال المحذوف. وقد يحكم بصحته إن عرف، بأن يجيء مسمى من وجه آخر. فإن قال: جميع من أحذفه ثقات، جاءت مسألة


(1) قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (1/ 472): (قال - ابن حجر -: وإنما قلته لأن المصطفى قال ليلة العقبة أن المصائب للذنوب كفارة لأهلها فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له. وروى أبو هريرة وهو متأخر الإسلام عن ليلة العقبة بنحو سبع سنين أن المصطفى قال: " لا أدري الحدود كفارة لأهلها أو لا ". وهذا خبر لا يجوز النسخ فيه) وقد أعل البخاري في "تاريخه" حديث أبي هريرة بالإرسال.
(2) روى الشيخان وغيرهما عن جرير رضي الله عنه أنه بال، ثم «توضأ فمسح على الخفين» وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح»، قالوا: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة) واللفظ لأبي داود.
(3) قال المناوي في "اليواقيت والدرر" (1/ 474): (قال الكمال بن أبي شريف: ويشترط - أيضا - أن يكون متقدم الإسلام سمع الحديث المعارض قبل سماع متأخر الإسلام، بأن يعلم ذلك بنقل أو قرينة. قال البقاعي: ولا بد من الاحتراز عن هذا، لأن المتقدم الصحبة يحتمل أن يسمع حديثا بعد ما سمعه فيها المتأخر).
(4) قال ابن النجار في "شرح الكوكب" (3/ 563): (ومثله ما ذكر الخطيب البغدادي: أن زر بن حبيش قال لحذيفة (أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع) وأجمع المسلمون على أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب، مع بيان ذلك من قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) [البقرة: 187] الآية قال العلماء في مثل هذا: إن الإجماع مبين للمتأخر، وإنه ناسخ لا إن الإجماع هو الناسخ).
(5) قال اللقاني (1/ 919): (والمتعلق بالمتن كسماعه من الشيخ وقراءته عليه، مع أخذ مقابله عرضا، أو إجازة. وبالإسناد كزيادة الضبط وزيادة العدالة) ومن المرجحات المتعلقة بالسند ترجيح صاحب القصة على غيره كترجيح ما رواه الترمذي عن أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة رضي الله عنها وهو حلال على ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم. بقرينة قول أبو رافع: وكنت الرسول بينهما، فرجح بكون راويه صاحب الواقعة فهو أدرى بذلك.
(6) والقول بالتوقف هو المتعين؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وقال البعض بالتخيير بين أيهما، وذلك يستلزم تعدد الحق، وأنه ليس محصورا في واحد منهما.
(7) أي أن الحديث له سند حذفه المصنف لعلة، وفيه احتراز مما لا أصل له، أو ما لا يعرف مسندا.
(8) وقد عرف الحافظ المعلق في "النكت" (1/ 97) بقوله: (هو الذي حذف من أول إسناده واحد فأكثر).

<<  <   >  >>