<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده:

فقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع.

وقيل: يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم.

وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح (1).

وأغرب ابن حبان؛ فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية، من غير تفصيل. نعم، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيرد، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه "معرفة الرجال").

[سوء الحفظ:]

-[قال الحافظ: (ثم سوء الحفظ: إن كان لازما فهو الشاذ على رأي، أو طارئا فالمختلِط).]-

وقال في "النزهة" (ص/233): (ثم سوء الحفظ: وهو السبب العاشر من أسباب الطعن، والمراد به: من لم يَرْجُح جانب إصابته على جانب خطئه (2)، وهو على قسمين:


(1) وقد سبق في شرح الموقظة الكلام على العدالة وبيان أن مدارها على مظنة الصدق، وأن رواية المبتدع مقبولة وإن كان داعية إلى بدعته ومما يؤيد ذلك إخراج الأئمة في دواوين السنة لبعض المبتدعة فيما يتعلق ببدعتهم، فقد روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه: عن عدي بن ثابت عن زِرِّ بن حُبَيْش قال: قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأمّي (صلى الله عليه وسلم) إليّ أنّ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. وعدي بن ثابت: قال عنه الذهبي في الكاشف: ثقة، لكنه قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة. فالأقوى أنه لا يرد من حديث المبتدعة إلا من أجاز الكذب لنصرة مذهبه كالخطابية، أو من كانت بدعته مكفرة كما سبق.
(2) وفسره في (ص/223) بأنه عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته. وقد سقطت (لا) من بعض النسخ فأوهمت تعارضا، وظهر من كلامه أن بقصد بسوء الحفظ من كان غلطه أكثر من صوابه. =
= فائدة - التفريق بين سيئ الحفظ وفاحش الغلط:
مقصود ابن حجر بفاحش الغلط أنه من كثر غلطه، وبسيئ الحفظ من يكون غلطه أكثر من إصابته، يعني ما لم يكثر منه الغلط ويفحش.
قال الصنعاني في توضيح الأفكار (1/ 12): (ويدل لذلك أن المحدثين جعلوا من القوادح في الراوي فحش غلطه، أي كثرته، وسوء حفظه، وهو عبارة عمن يكون غلطة أكثر من إصابته، هكذا ذكره الحافظ في النخبة وشرحها فالذي ذكر المحدثون أربع صور: تام الضبط، خفيفه، كثير الغلط، من غلطة أكثر من حفظه، فالأوليان مقبول من اتصف بهما، والأخريان مردود من اتصف بهما).
قال الحافظ في "هدي الساري": ((وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي ـ وتارة يقل، وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيء الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير ... )).
وفرق أيضا بينهما في هدي الساري بأن نفى وجود حديث كثير الغلط في البخاري، وجوز وجود حديث قليل الغلط في المتابعات، فقال: ((وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق وأن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء وحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال سيء الحفظ أوله أو أوهام أوله مناكير وغير ذلك من العبارات فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك)).
كما أنه جعل هنا فحش الغلط منزلة أشد من سوء الحفظ، وجعل حديث من كثر غلطه منكر على رأي، وحديث من ساء حفظه شاذ - على رأي - إن لازمه سوء الحفظ، فإن كان طارئا فالمختلط.

<<  <   >  >>