للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[وضع كل أمور الجاهلية وتركها دلالة على عزة الإسلام وتمكينه]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع).

وانظروا إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (تحت قدمي موضوع) أي: باطل مردود لا يحل لصاحبه أن يطالب به بعد الإسلام.

وقوله: (تحت قدمي) يدل على العزة، ويدل على السؤدد والرئاسة، ويدل على النصرة والتأييد من الله عز وجل لنبيه ورسوله.

وانظروا إلى التوقيت الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام قوله هذا، إنه في العام التاسع الهجري، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً من تاريخ الدعوة المحمدية، وبعد بناء دولة الإسلام، وكثرة أتباع محمد عليه الصلاة والسلام.

قال ذلك من منطلق القوة والعزة، ولم يقل ذلك في أول العهد المكي؛ لأن الوقت غير مناسب، والبلد غير مناسبة، لكنه قال ذلك في مكة بعد فتحها، والرجوع إليها مرة أخرى للحج في العام التاسع، وفي هذا الموقف الرهيب الذي شهده (١١٤٠٠٠) من المسلمين يعلن هذا صراحة: أن أخلاق الجاهلية موضوعة، وأن عادات الجاهلية موضوعة، وأن آداب الجاهلية ما دامت ليست موافقة لآداب وأخلاق الإسلام فإنها موضوعة كلها؛ ولذلك أخرج أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية -أي: أخلاق الجاهلية وآداب الجاهلية- وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي).

الناس قسمان: مؤمن تقي، وفاجر شقي: (وليدعن أقوام فخرهم بآبائهم؛ إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها).

فهذا أمر مردود وباطل أن يتخلق بعض المسلمين ببعض أخلاق الجاهلية؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من ضلل أعمى عن الطريق) أي: أن ذلك من أفعال الجاهلية.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها) أي: أفسدها على زوجها؛ لتتحول إليه.

ليس منا هذا الخلق، إنما هذا من أخلاق الجاهلية، وآدابها وأعرافها، فلابد من التخلص تماماً من أخلاق الجاهلية؛ ولذلك بوب البخاري عليه رحمة الله في كتاب الإيمان قال: باب المعاصي من أمر الجاهلية، ثم ذكر تحت هذا الباب: حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه حين عير بلالاً وقال له: (يا ابن السوداء! فلما رفع الأمر إليه عليه الصلاة والسلام قال: يا أبا ذر! إنك امرؤ فيك جاهلية.

قال: يا رسول الله! أو على ساعتي هذه؟ - أي: بعد هذه المدة الطويلة في الإيمان والإسلام-؟ قال: نعم) فقوله: (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: فيك خلق من أخلاق الجاهلية.

وهذا لا يعني: الكفر والخروج من الملة، إنما هو الاتصاف بصفات أهل الجاهلية، والتخلق بأخلاق أهل الجاهلية وغير ذلك مما قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: ليس منا، ليس منا، ليس منا، كلها أخلاق الجاهلية، ويجب الحذر منها.

قال عليه الصلاة والسلام: (أربع من أمر الجاهلية في أمتي لا يدعونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وإن المرأة النائحة إذا لم تتب قبل يوم القيامة أتت وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب) وغير ذلك من أخلاق الجاهلية.

قال الله عز وجل: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:٣٣] قال عطاء وقتادة: تبرج الجاهلية الأولى: أن المرأة كانت تضرب بخمارها على رأسها، وتغطي بدنها، ولكنها تخرج إلى الشوارع والطرقات فتزاحم الرجال، ولعمري إن هذا هو النقاب الآن، وهذا هو الالتزام الآن، هذا كان من أخلاق الجاهلية، وتبرج الجاهلية.

قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:٥٠].

أعظم الجاهلية ترك الكتاب والسنة، والعمل بالقوانين الوضعية والحكم بها والتحاكم إليها، كل ذلك من أخلاق الجاهلية.

<<  <  ج: ص:  >  >>